فهرس الكتاب
صفحة 90
وقالوا: المراد بقوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} (ألزخرف: 84) ثبوت الألوهية فيهما لا ثبوت ذاته، كما يقال: فلان سلطان في العرب والعجم، وبقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (الأنعام: 18) الفوقية من حيث القهر والمكانة لا من حيث العلو والمكان، فإنه لا تَمَدُّحَ فيه؛ إذ الحارس قد يكون فوق السلطان في المكانة، وطريقة السلف أسلم من الوقوع في تأويل ما لا يكون مرادًا، وطريقة الخلف أحكم [3] .
ذكر الإسراء والمعراج
قوله: (والمعراج حق [1] ، وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم)
أما الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فثابت بالنقل، وهو قولُه تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
حاشية
[1] الله سبحانه ليس في زمان ولا مكان؛ لأنه خلق الزمان والمكان، ولا يقال له أين ولا متى، وإلا فكما قال الإمام علي في جواب من سأله أين الله؟ فقال: (( مَنْ أَيَّنَ الأَيْنَ لا يُقالُ لهُ أين ) ). وقال الإمام علي: (( كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان ) ). وقال أيضًا: (( أرأيتَ لو قيل: أين الله تعالى؟ فقال: يقال له: كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يخلق الخلق، وكان الله ولم يكن أين ولا خلق ولا شيء، وهو خالق كل شيء ) ). وقال الإمام الشافعي: (( إنه تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلق المكان، لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته ) ). قال الإمام العز ابن عبدالسلام: (( كان _الله_ قبل أن كَوَّنَ المكانَ ودَبَّر الزمان وهو الآن على ما عليه كان ) ). قال ابن الحاجب تعليقًا على عقيدة العز ابن عبدالسلام: (( ما قاله ابن عبدالسلام هو مذهب أهل الحق، وإن جمهور السلف والخلف على ذلك، ولم يخالفهم إلا طائفة مخذولة يُخْفون مذهبهم ويدسونه على تخوف إلى من يستضعفون علمه وعقله ) ). قال ابن حجر: (( وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد(يعني أحمد بن حنبل) من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذبٌ وبهتان وافتراء عليه )). وقال الإمام النووي رحمه الله: (( إن الله تعالى ليس كمثله شيء، منزَّهٌ عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ) ). قال الإمام القرافي وهو _أي الحق سبحانه_ ليس في جهة ونراه نحن وهو ليس في جهة )) .
هذا ويستدل على نفي الزمانية عنه تعالى بأن الزمان لا يمكن أن يكون قديمًا؛ لقيام الدليل على حدوث كل ما سوى الله تعالى فإن كان حادثًا وقلنا بأن الله تعالى زماني لز حدوثُه، وهو باطل، فبطل كونه تعالى في زمان، أي: إن وجود الله تعالى ليس مقارنًا لزمان، قال السعد في (( شرح العقائد ) ): (( ولا يجري عليه زمان؛ لأن الزمان عبارة عن متجدد يقدر به متجدد آخر، وعند الفلاسفة عبارة عن مقدار الحركة، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك ) ).
[2] مذهب الخلف: جواز التأويل التفصيلي، ومذهب السلف: اعتقاد التنزيل مع وصف التنزيه له تعالى عما يوجب التشبيه، وتفويض العلم بالمراد إليه تعالى. وهو ما كان عليه إمامنا الأعظم رضي الله عنه.
قال صاحب الجوهرة:
وكل نص أوهم التشبيها…أوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تَنزيها.
[3] قال الميداني: (( وقد توسط ابن دقيق العيد فقال: نقبل التأويل إذا كان المعنى الذي أُوِّل به قريبًا مفهومًا من تخاطُب العرب، ونتوقف فيه إذا كان بعيدًا، جرى على التوسط ابن الهُمام بين أن تدعوَ الحاجةُ لخلل في فهم العوام وأن لا تدعوَ الحاجةُ لذلك ) ). واعلم أنهم قالوا: إن طريقة السلف أعلم وأسلم، وطريقة الخلف أحكم، فأما أن طريق السلف أعلم؛ فلأنه كما قال شيخنا الدكتور عبدالفضيل القوصي _حفظه الله_ عرف محدودية العارف، ولا محدودية المعروف، فآثر أن تظل المتشابهات متشابهات، وأما أنه أسلم؛ فلأنه لم يغامر في تحديد مراد للفظ المتشابه، ربما لم يكن هو المراد لله، وأما أن طريقَ الخلف أحكم؛ فلأنه أمنَعُ لشبهة التجسيم والتشبيه من عقول العوام حيث لا يُجْدي معهم طريق التفويض في تنزيه الله تعالى. وقد سبق قول ابنِ الهمام في المسايرة: (( فإذا خيف على العامة عدمُ فهمِ الاستواء إلا بالتصال ونحوه من لوازم الجسمية فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء فهو ممكنٌ أن يُراد، لكن لا يُجْزَمُ بإرادته ) ).