فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 165

صفحة 103

أحد، وقد مر تحقيقُ البراهين على ذلك.

تفصيل آخر في صفة التكوين

قوله: (ولا يَكونُ مكوَّنٌ إلا بتكونه، والتكوين لا يكون إلا حَسَنًا وجميلًا) .

اعلم أن (( التكوين ) )و (( التخليق ) )و (( الإيجاد ) )و (( الإحداث ) )و (( الاختراع ) )كلها أسماء مترادفة، معناه: إخراج المعدوم من كتم العدم إلى ظهور الوجود، وإنما خصَّ اسم (( التكوين ) )اقتداءً بالسلف فإنهم قالوا: (( التكوين غيرُ المكوَّن ) )، وهو صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى، كجميع صفاته، وهو تكوين العالم، وكلِّ جُزءٍ من في وقتِ وُجودِه؛ وهذا لأن العالم حادثٌ بإحداث الله، ولو لم يكن الإحداث صفةً لله لما كان حادثًا بإحداثه، وينبغي أن يكون قديمًا، إذ لو كان حادثًا لاحتاج إلى تكون آخر، إذ التقدير أن جميع الحوادث محتاجة إلى تكوين الله تعالى ويتسلسل أو ينتهي إلى تكوين قديم؛ ولأنه لو كان حادثًا؛ فإما إن حدث في ذات الله فيكون محلًا للحوادث هو محال، وإن حدث لا في ذاته فلا يكون التكوين صفة له، لأن صفة الشيء لا تقوم بغيره، أو لو قام بغيره لكان هو المكون دون الله.

وقول الأشعري بـ (( أن التكوين وما هو من صفات الأفعال كالإحياء والإماتة حادثة ) )مردود؛ لأن العالم وجد بخطاب: {كُنْ} عنده أيضًا، وهو تكوين، وخطابُ: {كُنْ} كلامٌ أزليٌّ قائم بذات الله بلا خلاف بيننا وبينه، فجعلُ التكوينِ حادثًا تناقضٌ في مذهبه.

وقولهم: إن التكوين هو المكوَّن: أيضًا مردود؛ إذ التكوين صفة قائمةٌ بذات الله أزليةٌ بخلاف المكوَّن.

والقول باتحادهما كالقول بالضرب عين المضروب.

حاشية

[1] أخرجه الترمذي (2155) ، وقال: غريب، والطيالسي (577) ، والضياء (429) ، وأبو داود (4702) ، والبيهقي (10/ 204، رقم 20664) ، والطبراني في الشاميين (59) ، وبنحوه أخرجه أحمد (22757) ، وابن أبي شيبة (351922) وابن جرير في تفسيره (29/ 17) ، والضياء (431) .

[2] رواه الترمذي في (( سننه ) ) (2067) ، وقال: (( حسن غريب صحيح ) ).وأحمد في (( مسنده ) ) (6275) ، ونحوه النسائي في (( السنن الكبرى ) ) (11473) .

[3] قال فضيلة العلامة الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (( الإنسان مسير أم مخير ) )ما حاصله: القضاء نوعان: قضاء مبرَم؛ وهو الذي في أم الكتاب، وهذا لا يتخلَّفُُ أبدًا، وقضاءٌ معلَّقٌ على حال يتلبَّسُ بها الإنسان دون حال أخرى، والكثير مما هو مثبَتٌ في اللوح المحفوظ قضاء معلَّقٌ؛ أي: غيرُ مبْرَمٍ، فهو عُرضَةٌ للتغيير والتبديل، على أن علم الله سبحانه وتعالى محيطٌ بكل ذلك؛ إذ هو جل جلالُه عالمٌ بما سينتهي إليه قضاؤه، والقضاء إذا أطلِق انصرفَ إلى ما في أم الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت