29 -يَوْمًا يَظَلُّ بهِ الحِرْبَاءُ مُضْطَخِدًا كَأنَّ ضَاحيَهُ بالشَّمْسِ مَمْلُولُ
ويُرْوَى: (مُصْطَخِمًا) ؛ أيْ: مُنْتصِبًا. ويومًا: ظرفٌ منصوبٌ، والعاملُ فيهِ قولُهُ: (تَلَفَّعَ) في البيتِ الذي قبلَهُ. والحِرْبَاءُ، دُوَيْبَةٌ تَسْتَقْبِلُ الشمسَ وتَدُورُ معها فيصيرُ وقتَ الهاجرةِ في أعلى الشجرِ وأعلى مكانٍ يكونُ فيهِ. ومُصْطَخِدًا مُفْتَعِلٌ منْ قَوْلِهِم: صَخَتْهُ الشمسُ؛ إذا آلَمَتْ دماغَهُ، ويومٌ صَخْدَانٌ: شديدُ الحرِّ، وكذلكَ يُقَالُ: صَهَرَتْهُ الشمسُ، ومنهُ قولُهُ: تَصْهَرُهُ الشمسُ فَمَا يُصْهَرُ؛ أيْ: تُذِيبُهُ الشمسُ فما يَذُوبُ. وضَاحِيَهُ: ما يَضْحَى للشمسِ منهُ. ومَمْلُولُ منْ قَوْلِهِم: مَلَلْتُ الخُبْزَةَ في النارِ أَمَلُّها مَلاًّ، والخبزةُ مليلةٌ وَمَمْلُولَةٌ، يُقالُ: أطْعَمْنَا خُبْزَ مَلَّةٍ، وخُبْزَةً مليلةً، ولا يُقَالُ: أَطْعَمْنَا مَلَّةً؛ لأنَّ المَلَّةَ الرمادُ والترابُ الحارُّ. ومعنى البيتِ: أنَّ القُورَ تلَفَّعَ بالعَسَاقِيلِ في يومٍ تَظَلُّ بهِ الحرباءُ مُحْتَرِقًا بالشمسِ كأنَّ ما بَرَزَ منهُ للشمسِ مَمْلُولٌ كما يُمَلُّ الخُبْزَةُ في النارِ.
30 -وقالَ للقَوْمِ حَادِيهِم وقدْ جَعَلَتْ وُرْقُ الجَنَادِبِ يَرْكُضْنَ الحَصَا قِيلُوا
هذا معطوفٌ على قَوْلِهِ: وقدْ تَلَفَّعَ بالقُورِ العَسَاقِيلُ، والواوُ للحالِ في المَوْضِعَيْنِ، وكذلكَ الواوُ في قَوْلِهِ: وقدْ جَعَلَتْ وُرْقُ الْجَنَادِبِ، والتقديرُ: وقالَ للْقَوْمِ حَادِيهِمْ: قِيلُوا، وقدْ جَعَلَتْ وُرْقُ الجَنَادِبِ؛ أيْ: في هذهِ الحالةِ، والجَنَادِبُ يَرْكُضْنَ بأجْنِحَتِهَا وقتَ الهاجرةِ فَيُسْمَعُ لها صوتٌ وهيَ جمعُ جُنْدُبٍ، والجُنْدُبُ: ذَكَرُ الجَرَادِ. وقولُهُ: (قِيلُوا) من القَيْلُولَةِ وهوَ نومُ نصفِ النهارِ.
31 -شَدَّ النَّهَارِ ذِرَاعَا عَيْطَلٍ نَصَفٍ قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ
شَدَّ النَّهَارِ: أي ارتفاعَهُ، يُرِيدُ كأنَّ أَوْبَ يَدَيْهَا شدَّ النهارِ، وقولُهُ: ذِرَاعَا عَيْطَلٍ، مُرْتَفِعٌ لأنَّهُ خبرُ كانَ، والتقديرُ: كأنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا في هذهِ الحالاتِ أَوْبَ ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ، ثمَّ حَذَفَ المُضَافَ وأقامَ المضافَ إليهِ مُقَامَهُ فأعْرَبَهُ بإعرابِهِ. والعَيْطَلُ: الطَّوِيلَةُ، والنَصَفُ: بينَ الشَّابَّةِ والكَهْلَةِ، والنُّكْدُ: اللاَّتِي لا يعيشُ لَهُنَّ ولدٌ، أيْ: كأنَّ ذِرَاعَيْ هذهِ الناقةِ في سُرْعَتِها في السَّيْرِ ذِرَاعَا هذهِ المرأةِ في اللَّطْمِ لمَّا فقَدَتْ ولدَها وجَاوَبَتْهَا نساءٌ مَثَاكِيلُ قدْ فَقَدْنَ أوْلادَهُنَّ. وهذهِ كالَّذِي ذكَرَهُ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ في قوْلِهِ:
كأنَّما أَوْبُ يدَيْها إلى حَيْزُومِها فوقَ حَصَى الفَدْفَدِ
نَوْحُ ابْنَةِ الجَوْنِ على هَالِكٍ تَنْدُبُهُ رافِعَةَ المِجْلَدِ
المِجْلَدُ: جلدٌ كَانَت النائحةُ تَأْخُذُهُ فَتَضْرِبُ صدْرَها، وابنةُ الجَوْنِ: نائحةٌ كانتْ في الجاهلِيَّةِ.