الصفحة 111 من 118

قد سالَمَ الْحَيَّاتِ منه القِدَمَا ... الأَفْعَوانِ والشِّجاعَ الشَّجْعَمَا

وذاتَ قَرنينِ ضَمُوزًا ضَرْزَمَا

يُرْوَى برَفْعِ الْحَيَّاتِ، فالأَفْعَوان: إمَّا بتقديرِ فِعْلٍ مَحذوفٍ، أي: وسالَمَت القِدَمَ الأَفعوانُ، وإمَّا بَدَلٌ مِن الحيَّاتِ وإن كان مَرفوعًا لفظًا؛ لأنَّه منصوبٌ معنًى، ويُرْوَى بنَصْبِ الْحَيَّاتِ، فلا إِشكالَ في إِبدالِ الأَفعوانِ منه، ثم قِيلَ: القِدَمَا فاعلٌ مُثَنًّى حُذِفَتْ نُونُه للضرورةِ، وقِيلَ: إنه جاءَ على نَصْبِ الفاعلِ والمفعولِ معًا لأَمْنِ الإلباسِ، كما يَجوزُ رَفْعُهما كذلكَ، كقولِه: (البحر الخفيف)

إنَّ مَن صادَ عَقْعَقًا لَمَشُومُ ... كيفَ مَن صادَ عَقعقانِ وبومُ

وكما يَجوزُ عَكْسُ الإعرابِ عندَ أَمْنِ الإلباسِ أَيضًا، كقولِهم: كَسَرَ الزُّجاجُ الحجَرَ، وخَرَقَ الثوبُ الْمِسمارَ، وتَلَخَّصَ على هذا أنه سُمِعَ في إِعْرَابَي الفاعلِ والمفعولِ أَربعةُ أَوْجُهٍ: رَفْعُهما، ونَصْبُهما، ونَصْبُ الفاعلِ، ورَفْعُ المفعولِ، وعَكْسُه، وهو الوَجْهُ، وما عَداهُ لا يَقَعُ إلا في الشِّعْرِ، أو في شاذٍّ مِن الكلامِ، بشَرْطِ أَمْنِ الإلباسِ.

وقولُه:"تُمَشَّى"بضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الميمِ بمعنى: تَمْشِي بفتْحِ التاءِ وسكونِ الميمِ، قالَ: (البحر الطويل)

وخَيفاءَ أَلْقَى الليثُ فيها ذِراعَهُ ... فسَرَّتْ وسَاءَتْ كُلَّ مَاشٍ ومُصْرِمِ

تُمَشَّى بها الدَّرماءُ تَسْحَبُ قُصْبَها ... كأنْ بَطنَ حُبْلَى ذاتِ أَوْبَيْنِ مُتْمِم

أي: ورُبَّ رَوْضَةٍ خَيفاءَ، أي: مُخْتَلِفَةِ أَلوانِ أَزَاهِيرِها، وكلُّ مُختلِفِ اللونِ فهو أَخْيَفُ، والليثُ: الأَسَدُ, أي: أنها مُطِرَتْ بنَوْءِ الأَسَدِ، والماشي: صاحبُ الْمَاشِيَةِ الكثيرةِ، يُقالُ: أَمْشَى، ومَشَّى بالتشديدِ: إذا كَثُرَتْ ماشِيَتُه، قالَ: (البحر الوافِر)

وكلُّ فَتًى وإن أَثْرَى وأَمْشَى ... ستَخْلُجُه عن الدنيا مُنونُ

وقِياسُ الوَصْفِ منه مُمْشٍ، وقد سُمِعَ، ولكنَّ الأَكْثَرَ، أَيْفَعُ فهو يافِعٌ، وأَينَعَ الثَّمَرُ فهو يانِعٌ، وأَبْقَلَ المكانُ فهو باقِلٌ , والْمُصْرِمُ: الذي ذَهَبَتْ ماشِيَتُه، والمعنى: فسَرَّتْ هذه الرَّوْضَةُ صاحبَ الماشيةِ، وساءَتْ الذي ذَهَبَتْ ماشِيَتُه، ولا بُدَّ مِن تقديرِ مُضافٍ، أي: وَكُلُّ مُصْرِمِ؛ إذ في البيتِ لَفٌّ ونَشْرٌ، ولا يَستقيمُ إلا بذلك.

والدَّرْمَاءُ بالدالِ الْمُهْمَلَةِ: الأَرْنَبُ، وسُمِّيَتْ بذلك لتَقَارُبِ خُطَاهَا، وإنما سُمِّيَ دارِمُ بنُ مَالِكٍ دارِمًا؛ لأنَّ أباهُ سُئِلَ في حَمَالَةٍ، فأمَرَه أن يَأتيَه بخَريطةٍ فيها مالٌ، فجاءَ وهو يَدْرِمُ تَحْتَها مِن ثِقَلِها.

والقُصْبُ بضَمِّ القافِ وإسكانِ الصادِ الْمُهْمَلَةِ: الْمِعَى. وفي الحديثِ: (( رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ ) )وذلك لأنه أَوَّلُ مَن سَيَّبَ السوائبَ، وبَحَّرَ البحائرَ، والجمْعُ: أَقصابٌ، قالَ الأَعْشَى: (البحر المتقارِب)

وشاهَدْنَا الْجِلَّ والياسمينَ والْمُسْمِعَاتِ بأقصابِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت