وجملةُ"لم يُفْدَ"إمَّا خبرٌ آخَرُ إن قُلنا: يَجوزُ تَعَدُّدُ الخبرِ مُخْتَلِفًا بالإفرادِ والجملةِ، وهو ظاهِرُ إطلاقِ كثيرٍ منهم، وصَرَّحَ بعضُهم بتَجويزِه في قولِه تعالى: {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} وقولِه تعالى: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} ولكنَّ أبا عليٍّ صَرَّحَ بالْمَنْعِ، وإمَّا صِفةٌ لِمُتَيَّمٍ، كما يقولُ أبو عليٍّ الفارسيُّ، في الجملةِ مِن هاتينِ الآيتينِ، وإمَّا حالٌ إمَّا مِن ضميرِ مُتَيَّمٍ وهو الظاهِرُ، أو مِن ضميرِ مَتبولٍ، وعلى هذا التجويزِ، فيَمتَنِعُ أن تكونَ الْمَسألةُ مِن التنازُعِ، لتَعَذُّرِ الإضمارِ مِن وَجهينِ: كونُ الحالِ واجبةَ التنكيرِ، وكونُ الْجُملةِ لا تُضْمَرُ.
ويُرْوَى"لم يُجْزَ"ولم يُشْفَ"."
وقولُه: مَكبولُ: يقالُ: كَبَلَه كضَرَبَه، وكَبَّلَه مُشَدَّدًا، ومعناهما: وَضَعَ في رِجْلِه الكَبْلَ بفَتْحِ الكافِ ـ وقد تُكْسَرُ ـ وهو القَيْدُ فقيلَ مُطْلَقًا، وقيلَ: الضخمُ، وقيلَ: أعظمُ ما يكونُ مِن الأقيادِ، فهو مَكبولٌ ومُكَبَّلٌ، ويُقالُ في الْمُكَبَّلِ، مُكَلَّبٌ على القلبِ، قالَ طُفيلٌ: (البحر الطويل)
أَبَأْنَا بِقَتْلانَا مِن القَوْمِ ضِعْفَهم ... وما لا يُعَدُّ مِن أَسيرٍ مُكَلَّب
ومعنى أَبَأْنَا: قَتَلْنَا.
ويُقالُ أيضًا: كَبَلَهُ بالتخفيفِ بمعنى حَبَسَه في سِجنٍ أو غيرِه، وفي الحديثِ:"إِذَا وَقَعَت السُّهْمَانِ فَلَا مُكَابَلَةَ"أي: فلا يُحْبَسُ أَحَدٌ عن حَقِّه، وقالَ:
إذا كنتَ في دارٍ يُهِينُكَ أَهْلُها ... ولم تَكُ مَكبولًا بها فَتَحَوَّل
أَنْشَدَه ابنُ سِيدَه على ذلك، والصوابُ أنه مُحْتَمِلٌ للمَعْنَيَيْنِ، وفي هذا البيتِ احتراسٌ بخِلافِ قولِه: وإذا نَبَا بك مَنْزِلٌ فتَحَوَّلِ.
قالَ كعبٌ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه ورَحِمَهُ:
وما سعادُ غَداةَ الْبَيْنِ إذ رَحَلُوا ... إلا أَغَنُّ غَضيضُ الطرْفِ مَكحولُ
قولُه:"وما"سُعادُ": الواوُ عاطِفةٌ على الفَعليةِ لا على الاسْمِيَّةِ، وإن كانتْ أَقْرَبَ وأَنْسَبَ لكونِ المعطوفةِ اسْمِيَّةً؛ لأنَّ هذه الْجُملةَ لا تُشارِكُ تلك في التَّسَبُّبِ عن البَيْنُونَةِ، وسعادُ مُبتدأٌ لا اسمَ له:"ما"لانتقاضِ النفيِ بإلا، والأَصْلُ: وما هي، فأنَابَ الظاهِرَ عن الْمُضْمَرِ، والذي سَهَّلَه أنهما في جُملتينِ مُسْتَقِلَّتَيِنْ، وأنهما في بَيتينِ، وأنَّ بينَهما جُملةً فاصلةً، وأنَّ اسمَ المحبوبِ يَلْتَذُّ بإعادتِه، ودونَه قولُ الْحُطَيْئَةِ:"
ألا حَبَّذَا هِندٌ وأرضُ بها هِنْدٌ ... وهندٌ أَتَى مِن دونِها النَّأْيُ والْبُعْدُ
لأنهما في جُملةٍ واحدةٍ، وبيتُ الكِتابِ وهو للجَعْدِيِّ: (البحر الطويل) .