إذ الوَحْشُ ضَمَّ الوَحْشَ في ظُلَلَاتِها ... سَواقِطَ من حَرٍّ وقد كان أَظْهَرَا
لأنَّ الْجُملتينِ كالْجُملةِ الواحدةِ؛ لأنَّ الرافِعَ للوَحْشِ الأَوَّلِ، فعلٌ مَحذوفٌ، كما يَقولُ جُمهورُ البَصرِيِّينَ، فالفِعْلُ المذكورُ سادٌّ مَسَدَّ الفِعْلِ المحذوفِ، حتى كأنه هو، ولهذا لا يَجتمعانِ. وإن قُدِّرَ رَفْعُ الوَحْشِ بالابتداءِ كما يقولُ أبو الْحَسَنِ، فالكلامُ جُملةٌ واحدةٌ، فهو كبيتِ الْحُطَيْئَةِ، بل دونَه؛ لأنه ليس اسْمًا يُلْتَذُّ به، وأَسْهَلُ مِن هذا البيتِ قولُه: (البحر الطويل)
إذا الْمَرْءُ لم يَغْشَ الكَريهةَ أَوْشَكَتْ ... حِبالُ الْهُوَيْنَا بالْفَتَى أن تَقَطَّعَا
لاختلافِ لَفْظَي الظاهِرَيْنِ، فأَشْبَهَا الظاهِرَ والْمُضْمَرَ في اختلافِ اللفْظِ، وإنما يَحسُنُ إعادةُ الظاهِرِ في الْجُملةِ الواحدةِ في مَقامِ التعظيمِ نحوَ: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} والتهويلِ نحوَ: {الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ} بخِلافِ نحوِ قولِه: (البحر الكامل)
ليتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعَبُ دَائِبًا ... كان الغُرابُ مُقَطَّعَ الأدواج
إلا أنَّ الذي سَهَّلَ هذا قَليلًا تَبَاعُدُ ما بينَ الظاهِرَيْنِ.
وقولُه:"غَداةَ"فيه مَسَائِلُ:
الأُولَى: هي اسمٌ لِمُقَابِلِ العَشِيِّ قالَ اللهُ تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} وقد يُرادُ بها مُطْلَقُ الزمانِ كما تَقَدَّمَ في"الساعةِ"و"اليومِ"قالَ: (البحر الطويل) :
غَداةَ طَفَتْ عَلْمَاءِ بَكرُ بنُ وَائِلٍ ... عَشِيَّةَ لاقَيْنَا جُذامَ وحِمْيَرَا
ألا ترى أنه قد أَبْدَلَ منها العَشِيَّةَ وهي في بيتِ كَعْبٍ مُحْتَمِلَةٌ لذلك.
المسألةُ الثانيةُ: وَزْنُها: فَعَلَة بالتحريكِ ولامُها واوٌ لقولِهم في جَمْعِها: غَدَوَاتٌ، ونظيرُها صلاةٌ وصَلَوَاتٌ، وزَكاةٌ وزَكَواتٌ، ولأنها مِن غَدَوْتُ، ولقولِهم غَدْوَةٌ، وأمَّا قولُهم: فلانٌ يَأتِينَا بالغَدَايا والعَشايَا، فقالَ الْجُرْجَانِيُّ في شَرْحِ"التَّكْمِلَةِ"، وابنُ سِيدَهْ في"شَرْحِ أبياتِ الْجملِ": إنما جاءتْ الياءُ فيها لتُنَاسِبَ عَشايَا، والصوابُ أنَّ الذي فَعَلَ الازدواجَ إنما هو جَمْعُ"غَداةٍ"على"غَدَايَا"، فإنها لا تَسْتَحِقُّ هذا الجَمْعَ، بخِلافِ"عَشِيَّةٍ"فإنها كقَضِيَّةٍ ووَصِيَّةٍ، وأمَّا الياءُ فإنها تَسْتَحِقُّها بعدَ أن جُمِعَتْ هذا الْجَمْعَ، وهي مُبْدَلَةٌ مِن هَمزةِ فَعائلَ، لا مِن لامِ غَداةٍ التي هي الوَاوُ، وبيانُ ذلك أنَّ العَشايَا أَصْلُها: عَشَائِوْ، بواوٍ مُتَطَرِّفَةٍ، هي لامُها، وتلك الواوُ بعدَ الهمزةِ الْمُنْقَلِبَةِ عن الياءِ الزائدةِ في عَشِيَّةٍ، كما في صَحيفةٍ وصَحائِفَ، ثم قَلَبُوا الكَسرةَ فَتحةً للتخفيفِ، كما فَعَلوا في صَحَارَى وعَذَارَى قالَ: (البحر الطويل) .
ويومَ عَقَرْتُ للعَذَارَى مَطِيَّتِي