إلا أنهم الْتَزَموا هنا التخفيفَ في الْجَمْعِ الذي اعْتَلَّتْ لامُه وقَبْلَها هَمزةٌ؛ لأنَّه أَثْقَلُ، ثم انْقَلَبَت اللامُ أَلِفًا لتَحَرُّكِها، وانفتاحِ ما قَبْلَها، ثم أُبْدِلَت الهمزةُ ياءً تَخفيفًا لاجتماعِ الأشباهِ، إذ الهمزةُ تُشْبِهُ الأَلِفَ، وقد وَقَعَت بينَ أَلِفَيْنِ، ثم لَمَّا جَمَعُوا"غَداةَ"على فَعائِلَ للمُناسَبَةِ وكانَ كلُّ شيءٍ جُمِعَ على فَعائِلَ ولامُه هَمزةٌ أو واوٌ أو ياءٌ لم تَسْلَمْ في الواحدةِ مُسْتَحِقًّا لأنْ تُبْدَلَ مِن هَمْزَتِه ياءً كخَطايا ووَصايَا ومَطايَا فَعَلُوا ذلك في غَدايا؛ لأنَّ واوَ غَداةٍ لم تَسْلَمْ، فإن قلتَ: قَدَّرَ الغَدايا جَمْعًا لغَدْوَةٍ، وقد صَحَّ كلامُهما لأنَّ الواوَ قد سَلِمَتْ في الواحدةِ، فكان القياسُ غَدَاوَى، كما يُقالُ: هَراوَةٌ وهَرَاوَى، قلتُ: يأْبَى هذا أمرانِ:
أحدُهما: أنهما قالَا: إنها جَمْعُ غَداةٍ، فكيف أَحْمِلُ كلامَهما على ما صَرَّحَا بخِلافِه.
والثاني: أنه إذا أَدارَ الأَمْرُ بينَ إسنادِ الْحُكْمِ إلى الْمُنَاسِبِ وإسنادِه إلى أَمْرٍ مُقْتَضٍ في الكلمةِ نفسِها، تَعَيَّنَ القولُ بالثاني، وزَعَمَ ابنُ الأعرابيِّ أنَّ الغَدايا لم يُقَلْ للمُناسَبَةِ الْبَتَّةَ، وأنها جَمْعُ تَغْدِيَةٍ لا غَداةٍ واستَدَلَّ على غَدِيَّةٍ بقولِ: (البحر الطويل) .
ألا لَيْتَ حَظِّي مِن زِيارَةِ مَيَّةٍ ... غَدَيَّاتُ قَيْظٍ أو عَشِيَّاتُ أَشْتِيَه
ولا دَليلَ في هذا الجوازِ أن يكونَ إنما جازَ"غَدِيَّاتٌ"لِمُنَاسَبَةِ"عَشِيَّاتٍ"لا أنه يُقالُ"غَدِيَّةٌ".
المسألةُ الثالثةُ: حُكْمُها في التعريفِ أنها تُعَرَّفُ تارةً بألْ، كما في قولِه تعالى: {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} وقولِ الْحَمَاسِيِّ: (البحر المتقارِب) .
أَشابَ الصغيرَ وأَفْنَى الكبيرَ ... كَرُّ الغَداةِ ومَرُّ الْعَشِي
وتارةً بالإضافةِ كما في بيتِ كَعْبٍ، وهي بكذلك مُخالِفَةٌ لغَدوةٍ؛ فإنَّ الغالِبَ تَعريفُها بالعَلَمِيَّةِ، تقولُ: جِئْتُكَ يومَ الْجُمُعَةِ غَدْوَةً، وسَمِعَ الفَرَّاءُ، أبا الْجَرَّاحِ يقولُ في غَداةِ يومٍ بارِدٍ: ما رأيتُ كغَدْوَةٍ، يُريدُ: غَداةَ يَوْمِه، ورَبَّمَا عُرِّفَتْ بألْ كقِراءةِ ابنِ عامرٍ: بالغَدْوَةِ والْعَشِيِّ.
المسألةُ الرابعةُ: عامِلُها التشبيهُ؛ إذ المعنى أنها تُشْبِهُ غَداةَ بانَتْ ظَبْيًا من صِفَتِه كَيْتَ وكَيْتَ، فإنْ قلتَ: الحرْفُ الحاملُ لِمَعْنَى التشبيهِ مُقَدَّرٌ بعدَ إلا، وما بعدَ إلا لا يَعْمَلُ فيما قَبْلَها إذا كانَ فِعْلًا مَذكورًا بالإجماعِ، فما ظَنُّكَ به إذا كان حَرْفًا مَحذوفًا.
قلتُ: الْمُخَلِّصُ مِن ذلك أن يُقَدَّرَ حرْفُ التشبيهِ قَبْلَها، وقبلَ الظرْفِ أيضًا داخلًا على سُعادَ، أي: وما كَسُعادَ في هذا الوَقْتِ إلا ظَبْيٌ أَغَنُّ.
فإن قلتَ: هذا عَكْسُ المعنى المرادِ؟!
قلتُ: بل هو مُحَصِّلٌ للمُرادِ على وَجْهٍ أَبْلَغَ، وذلك أنهم إذا بَالَغُوا في التشبيهِ عَكَسُوه، فَجَعَلُوا الْمُشَبَّهَ أَصْلًا في ذلك المعنى، والْمُشَبَّهَ به فَرْعًا عليه، وفي ذلك مِن الْمُبالَغَةِ ما لا خَفاءَ به، وعلى ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ: (البحر الطويل) .
ورَمْلٍ كأَوْرَاكِ الْعَذَارَى قَطَعْتُه