الصفحة 19 من 118

وقولُ رُؤْبَةَ: (بحرُ الرَّجَزِ)

ومَهْمَهٍ مُغْبَرَّةٍ أَرْجَاؤُهُ ... كأنَّ لونَ أَرْضِه سَمَاؤُهُ

الأَصْلُ: كأنَّ لونَ سَمَائِه لغُبْرَتِها لونُ أَرْضِه، فعَكَسَ التَّشْبِيهَ، وحَذَفَ الْمُضافَ.

وقولُ أبي تَمَّامٍ يَصِفُ قَلَمَ مَمْدُوحِهِ:

لُعابُ الأفاعِي القَاتلاتِ لُعَابُهُ ... وأَرْيُ الْجَنَى اشْتَارَتْهُ أيدٍ عواسِلُ

وقلبُ الكلامِ جائزٌ في التشبيهِ وغيرِه، وإنما يكونُ مَقبولًا عندَ الْمُحَقِّقِينَ إذا تَضَمَّنَ اعتبارًا لطِيفًا كما في بابِ التشبيهِ, ألا تَرَى أنه أفادَ الْمُبالَغَةَ بجَعْلِ الفرْعِ الذي يُرادُ إثباتُ الْحُكْمِ له أصلًا، وجَعَلَ غيرَه مَحمولًا عليه، وحِينئذٍ فيَبْقَى في البيتِ مُبالَغَةٌ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ:

إحداها: ما في الكلامِ مِن حَرْفَي النَّفْيِ والإيجابِ الْمُفيدَينِ للحَصْرِ.

والثاني: ما فيه مِن عَكْسِ التشبيهِ.

والثالثُ: حَذْفُ أداةِ التشبيهِ كما حُذِفَتْ في قولِه تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} .

فإن قلتَ: عَكْسُ التشبيهِ خِلافُ الأَصْلِ، فلا يُدَّعَى إلا بدليلٍ. قُلْتُ: دليلُه تَعَذُّرُ إعمالِه في الظرْفِ إلا على هذا الوجهِ.

فإن قلتَ: أفَتُسَمِّي هذا الواقِعَ في البيتِ تَشبيهًا أم استعارةً؟

قلتُ: الذي عليه الْحُذَّاقُ كالْجُرْجَانِيِّ، والزمخشريِّ والسكَّاكيِّ، تَسميتُه تَشبيهًا بَليغًا لا استعارةً.

والحاصِلُ أنَّ الأَقسامَ ثلاثةٌ:

تَشبيهٌ مُتَّفَقٌ عليه، واستعارةٌ مُتَّفَقٌ عليها، ومُخْتَلَفٌ فيه، فالْمُتَّفَقُ عليه أنه تَشبيهٌ أن يُذْكَرَ أطرافُ التشبيهِ مِن الْمُشَبَّهِ، والْمُشَبَّهِ به، والأداةِ، كقولِك: زيدٌ كالأسَدِ.

والمتَّفَقُ على أنه استعارةٌ: أن يَقْتَصِرَ على ذِكْرِ الْمُشَبَّهِ به، ولا يكونَ الْمُشَبَّهُ مُقَدَّرًا كقولِك: رأيتُ أَسَدًا في الْحَمَّامِ.

والمختلَفُ فيه: أن يَتْرُكَ الأداةَ، ويكونَ الْمُشَبَّهُ به خَبَرًا، إمَّا لِمَذكورٍ مبتدأٍ، كقولِه تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} وكبيتِ كَعْبٍ هذا، أو لِمُقَدَّرٍ كقولِه تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ} وقولِ الشاعرِ: (البحر الطويل)

نجومُ سماءٍ كُلَّمَا انْقَضَّ كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تَأْوِي إليه كواكِبُ

التقديرُ: هم كصُمٍّ، وهم كنجومٍ، إذ لا بُدَّ للخبَرِ من مُبتدأٍ.

والفَرْقُ بينَ هذا القِسْمِ والذي قَبْلَه أنك في هذا القِسمِ وَضَعْتَ كلامَك في الظاهِرِ لإثباتِ معنى الأوَّلِ للثاني، وإذا امْتَنَعَ إثباتُه له حَقيقةً كان لإثباتِ الْمُشابَهَةِ، فكان خَليقًا بأن يُسَمَّى تَشبيهًا، بخِلافِ الذي قَبْلَه، فإنك لم تَضَعْ كلامَك على التشبيهِ، بل على استعارةِ اسمِ الأسدِ لِمَن رأيتَه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت