الصفحة 20 من 118

قولُه:"الْبَيْنِ". هو مَصْدَرُ بانَ، كما قَدَّمْنَا، وأل فيه لتعريفِ الحقيقةِ، أو للعَهْدِ في البَيْنِ الْمُستفادِ مِن الفعلِ السابقِ، أي: وما هي غَداةَ هذا الْبَيْنِ، ويأتي الْبَيْنُ بمعنى الوَصْلِ كقولِه: (البحر الطويل) .

لقد فَرَّقَ الوَاشونَ بَيْنِي وبَيْنَها ... فقَرَّتْ بذاك الوَصْلِ عَيْنِي وعَيْنُها

وقولِه تعالى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} في قراءةِ مَن رَفَعَه، وقيلَ كذلك هو في قِراءةِ مَن فَتَحَ، ولكنه مَبْنِيٌّ لإبهامِه وإضافتِه إلى مَبْنِيٍّ.

وقولُه:"إذ"يَحْتَمِلُ ثلاثةَ أُوْجُهٍ:

أحدُها: وهو الظاهِرُ: أن يكونَ بَدَلًا مِن"غَدَاةَ"، كما أُبْدِلَتْ من يومِ الْحَسْرَةِ في قولِه تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} إلا أنها في البيتِ بَدَلٌ مِن المفعولِ فيه، وفي الآيةِ بَدَلٌ من المفعولِ به.

والثاني: أن يكونَ ظَرْفًا للتشبيهِ لا بَدَلًا مِن الظرْفِ الأَوَّلِ.

فإن قلتَ: إنما يَجُوزُ تَعُدُّدُ الظرْفِ إذا كان مِن نوعينِ، كصَلَّيْتُ يومَ الْجُمُعةِ أمامَ الْمِنْبَرِ، فأَمَّا إذا كان الظرفان مِن نوعٍ واحدٍ، فلا يَعْمَلُ فيهما عاملٌ واحدٌ، إلا على أن يكونَ الثاني تابِعًا للأوَّلِ، أو يكونَ العامِلُ اسمَ تفضيلٍ؛ وذلك لأنه في قُوَّةِ عامِلَيْنِ، كقولِك: زيدٌ يومَ الْجُمُعةِ خيرٌ منه يومَ الْخَمِيسِ؛ لأنَّ المعنى أنه يَزيدُ خَيْرُه في هذا اليومِ على خَيْرِه في ذلك اليومِ. قلتُ: ذَكَرَ ابنُ عُصفورٍ أنَّ مَذهبَ سِيبوَيْهِ أنه يَجوزُ أيضًا التَّعَدُّدُ مع الاتِّفاقِ إذا كان الزمانُ الأَوَّلُ أَعَمَّ مِن الثاني، نحوَ: لَقِيتُه يَومَ الْجُمُعَةِ غَدْوَةً، وأنه يُجيزُ نَصْبَ الظرفينِ بلَقِيتُ لا على أنَّ الثانِيَ بدَلُ بعضٍ مِن كُلٍّ، وذلك لأنه أَجازَ: سِيرَ عليه يومَ الْجُمُعَةِ غَدْوَةً، برَفْعِ اليومِ، ونَصْبِ غَدْوَةً، ولو كان بَدَلًا منه لتَبِعَه في إعرابِه، واسْتَدَلَّ بقولِه: (البحر الطويل) .

متى تَرِدَنْ يومًا سَفَارِ تَجِدْ بِهَا ... أُدَيْهِمَ يَرْمِي الْمُسْتَجيرَ الْمُغَوَّرَا

فعَدَّى"تَرِد"إلى"متى"وإلى"يومًا"لَمَّا كانت"متى"مُشْتَمِلَةً على اليومِ لعُمومِها، ولا يكونُ"يومًا"نَصْبًا بتَجِد؛ لأنَّ سَفَارَ نُصِبَ بتَرِدْ، فيَلْزَمُ الفصْلُ بينَ العامِلِ ومَعمولِه بالأَجْنَبِيِّ.

والوجهُ الثالثُ مِن أَوْجُهِ إذ: أن يكونَ ظَرْفًا للْبَيْنِ، أي: وما هي غَداةَ بانَتْ وَقْتَ رَحيلِهم.

وقولُه:"رَحَلُوا"في مَوْضِعِ خَفْضٍ بإضافةِ إذ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، والخِلافُ في الجملةِ بعدَ"إذا"كما سيأتي في البيتِ بعدَه، والفرْقُ بينَهما أنَّ تلك مُرْتَبِطَةٌ بما بَعْدَها ارتباطَ أداةِ الشرْطِ بجُملةِ الشرْطِ، فلم يَلْزَمْ مِن عَدَمِ ادِّعاءِ الإضافةِ عَدَمُ الربْطِ، وأمَّا"إذ"فلولا دَعْوَى الإضافةِ لم يكنْ رَبْطٌ، وإنما جَمَعَ ضميرَ الفاعلِ مع أنه إنما قَدَّمَ ذِكْرَ سُعادَ؛ لأنَّها رَحَلَتْ مع قومِها ولإرادةِ تَعظيمِها، كقولِه:

"فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ"وما أَحسنَ قولَ مَن قالَ: (البحر الطويل)

تَحَمَّلْتُ مِن نُعمانَ عُودَ أراكةٍ ... لِهِنْدٍ ولكن مَن يُبَلِّغُه هِنْدًا

خَلِيلَيَّ عُوجَا بارَكَ اللهُ فِيكُمَا ... وإن لم تكنْ هِنْدٌ لأَرْضِكُما قَصْدًا

وقُولَا لها ليس الضَّلَالُ أَجَارَنَا ... ولكنَّنا جُرْنَا لنَلْقَاكُمُ عَمْدًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت