الصفحة 21 من 118

أجارَنا بالراءِ الْمُهْمَلَةِ: أي: أَمالَنا عن الطريقِ، ومنه الْجَوْرُ ضِدُّ العَدْلِ؛ لأنَّه مَيْلٌ عنه، وكذلك قولُه: جُرْنَا وكثيرٌ يُصَحِّفُها بالزايِ مِن الْجَوَازِ.

وقولُه:"إلا أَغَنُّ"إلا: إيجابٌ للنَّفْيِ. وفي قولِه"أَغَنُّ"مسائلُ:

الأُولَى: الْأَغَنُّ الذي في صَوْتِه غُنَّةٌ، والْغُنَّةُ صوتٌ لذيذٌ يَخْرُجُ مِن الأَنْفِ، ويُشَبَّهُ به صوتُ الرياحِ في الأشجارِ الْمُلْتَفَّةِ، فيُقالُ: وادٍ أَغَنُّ، وصَوتُ الذبابِ في الغِياضِ، وهو معنى قولِهم: رَوْضَةٌ غَنَّاءُ، وجَمْعُ الأَغَنِّ والْغَنَّاءِ غُنٌّ، كما يُقالُ: أحمرُ وحُمْرٌ، وحَمراءُ وحُمْرٌ.

فإن قلتَ: كيف قالَ الجوهريُّ طَيْرٌ أَغَنُّ، مع أنَّ الطيرَ للجماعةِ؟

قلتُ: الطيرُ عندَ سِيبويهِ اسمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ، فيَجوزُ أن يُخْبَرَ عنه كما يُخْبَرُ عن الواحدِ، ألا تَرى أنهم يَقولون: رَكْبٌ سائرٌ.

المسألةُ الثانيةُ: في مَوْقِعِه من الإعرابِ: هو صِفةٌ لمحذوفٍ، أي: إلا ظَبْيٌ أَغَنُّ، والذي دَلَّ على الْحَذْفِ أنَّ الصِّفةَ لا بُدَّ لها من مَوصوفٍ، ولو كان الموصوفُ في المعنى هو سُعادَ, كما تقولُ: ما زيدٌ إلا قائمٌ، لكان يقولُ: إلا غَنَّاءُ بالتأنيثِ كما تَقولُ: ما هذه الرَّوْضَةُ إلا غَنَّاءُ، والذي يَدُلُّ على تَعيينِ المحذوفِ أنَّ أَكثرَ ما يُوصَفُ بالغُنَّةِ الظِّباءُ، وهي وَصفٌ لازِمٌ لكلِّ ظَبْيٍ، فصارَت لغَلَبَةِ الاستعمالِ فيهنَّ كأنها مُخْتَصَّةٌ لهنَّ، وحيث أُطْلِقَ الأَغَنُّ في مَقامِ التشبيهِ لا يَتبادَرُ الذِّهْنُ إلى غيرِ الظَّبْيِ.

فإن قلتَ: فما تَقولُ في قولِ جماعةٍ مِن النَّحْوِيِّينَ: لا يُحْذَفُ الموصوفُ إلا إن كانت الصفةُ خاصَّةً بجِنْسِه، نحو رأيتُ كاتبًا، ورَكِبْتُ صَاهِلًا، ويُمْنَعُ: رأيتُ طويلًا، وأَبْصَرْتُ أَبْيَضَ؟

قلتُ: التحقيقُ أنَّ الشرْطَ إنما هو وُجودُ الدليلِ، ومِن جُملةِ الأَدِلَّةِ اختصاصُ الصفةِ بالموصوفِ، وأمَّا أنها شَرْطٌ مُتَعَيِّنٌ فلا، ألا تَرَى إلى قولِه تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} أي: دُروعًا سابغاتٍ، فحَذَفَ الموصوفَ مع أنَّ الصِّفةَ لا تَخْتَصُّ به، ولكنَّ تَقَدُّمَ ذِكْرِ الحديدِ أَشْعَرَ به.

المسألةُ الثالثةُ: اخْتَلَفُوا في الْخَبَرِ الْمَقرونِ بإلا بعدَ"ما"على أربعةِ أقوالٍ:

أحدُها: وُجوبُ الرفْعِ مُطْلَقًا، وهو قولُ الجمهورِ نحوَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} ووَجهُه: أنها عَمِلَتْ لشَبَهِها بليسَ في النفيِ، وقد انْتَقَضَ بإلا فزَالَ الأَمْرُ الذي عَمِلَتْ لأَجْلِهِ.

والثاني: جَوازُ النَّصْبِ مُطْلَقًا، وهو قولُ يونسَ ووَجْهُه الحمْلُ على ليسَ.

والثالثُ: جَوازُ النصْبِ بشَرْطِ كونِ الْخَبَرِ وَصْفًا وهو قولُ الْفَرَّاءِ، فيُجيزُ: ما زَيْدٌ إلا قائمًا، ويَمْنَعُ: ما زيدٌ إلا أَخاكَ.

الرابعُ: جوازُ النصْبِ بشرطِ كونِ الخبرِ مُشَبَّهًا به وهو قولُ بَقِيَّةِ الكوفِيِّينَ، فيُجِيزُون: ما زيدٌ إلا زُهَيْرًا، ويَمنعون: ما زيدٌ إلا قائمًا.

وعلى هذا فالنصْبُ في قولِه:"إلا أَغَنُّ"جائزٌ على الأقوالِ الثلاثةِ الأخيرةِ.

وقولُه:"غَضيضُ الطرْفِ"فيه مسائلُ:

الأُولَى: غَضُّ الطرْفِ في الأصْلِ عِبارةٌ عن تَرْكِ التحديقِ واستيفاءِ النظَرِ، فتارةً يكونُ ذلك؛ لأنَّ في الطرْفِ كَسْرًا وفُتورًا خِلْقِيَّيْنِ، وهو الْمُرادُ هنا، وتارةً يكونُ لقَصْدِ الكَفِّ عن التأَمُّلِ، حياءً مِن اللهِ تعالى ومِن الناسِ، ومنه قولُه تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} أي: يَكُفُّوها عَمَّا لا يَحِلُّ لهم النظَرُ إليه، وقولُ الشاعرِ يَهْجُو مَن يَتَفَعَّلُ ذلك: (البحر الوافر) .

يَغُضُّ الطرْفَ مِن مَكْرٍ ودَهْيٍ ... كأنَّ به وليس به خُشُوعًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت