وما أحسَنَ مَوْقِعَ هذه الجملةِ المعترِضَةِ بينَ خَبَرِ كأنَّ واسْمِها، وقد يُرادُ به تَرْكُ التأمُّلِ الذي هو أَعَمُّ مِن النظَرِ الْحِسِّيِّ والمعنويِّ، كقولِ الشافعيِّ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه ورَحِمَه: (البحر الطويل) .
أُحِبُّ مِن الإخوانِ كلَّ مَوَاتِي ... وكلَّ غَضيضِ الطرْفِ عَن عَثَرَاتِي
وقد يُكَنَّى به عن خَفْضِ الطرْفِ ذُلًّا، كقولِ جَريرٍ (البحر الوافر)
فغُضَّ الطرْفَ إنَّك مِن نُمَيْرٍ ... فلا كَعْبًا بلَغْتَ ولا كِلَابًا
وعن احتمالِ المكروهِ كقولِه: (البحر الطويل) .
وما كان غَضُّ الطرْفِ منا سَجِيَّةً ... ولكنَّنا فِي مَذْحِجٍ غُرُبَانُ
مَذْحِجٌ: بفَتْحِ الميمِ، وإعجامِ الذالِ، وكَسْرِ الحاءِ: قَبيلةٌ، وغُرُبانُ بضَمَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ غُرُبٌ على وَزْنِ جُنُبٍ بمعنى غَريبٍ.
المسألةُ الثانيةُ: وهو فَعيلٌ بمعنى مَفعولٍ، كقَتيلٍ، وجَريحٍ، وذَبيحٍ، وكَحِيلٍ، ودَهينٍ، وهو كَثيرٌ، ومِن غريبِ ما جاءَ منه"قَديرٌ"معنى مَقْدُورٍ، أي: مَطبوخٌ في القُدورِ، قالَ امْرُؤُ القيسِ: (البحر الطويل) .
فظَلَّ طُهاةُ اللحمِ مِن بينِ مُنْضِجٍ ... صَفِيفِ شواءٍ أو قَديرٍ مُعَجَّل
يُقالُ: قَدَرْتُ اللحمَ وأَقْدَرْتُه مِثلَ طَبَخْتُه وأَطْبَخْتُهُ
المسألةُ الثالثةُ: الطرْفُ: العينُ، وهو مَنقولٌ مِن الْمَصْدَرِ، ولهذا لا يُجْمَعُ، قالَ اللهُ تعالى: {لَا يَرْتَدُّ إِلْيَهِمْ طَرْفُهُمْ} وقالَ جَريرٌ (البحر البسيط) .
إنَّ العُيونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ ... قَتَلْنَنَا ثم لم يُحْيِينَ قَتْلَانَا
فإن كُسِرَتِ الطاءُ، فهو الكريمُ مِن الفِتيانِ والخيلِ، وخَصَّهُ أبو زيدٍ بِمُذَكَّرِها، وجَمْعُها طُروفٌ، فإن زِدْتَ على الطرْفِ الأَلِفَ والهمزةَ، فقلتَ:"طَرفاءُ"فهو شَجَرٌ واحدُه"طَرَفَةٌ"وبه سُمِّيَ طَرَفَةُ بنُ العَبْدِ الشاعرُ وقالَ سِيبويهِ: الطرْفُ واحدٌ وجَمْعٌ.
المسألةُ الرابعةُ: خَفْضُ الطرْفِ ناشئٌ عن نَصْبِه، ونَصبُهُ ناشئٌ عن رَفْعِه، والأصلُ: غَضيضٌ طَرْفُه بالرفْعِ على النِّيابةِ عن الفاعلِ، ثم قَدَّرَ تَحويلَ الإسنادِ إلى ضَميرِ الموصوفِ للمبالَغَةِ في اتِّصافِه بمعناها، فانْتَصَبَ الطرْفُ على التشبيهِ بالمفعولِ به، كما في: زيدٌ حَسَنٌ الوَجْهَ، ثم أُضِيفَتْ الصِّفَةُ للتخفيفِ، وإنما لم يُقَدَّرُ الْخَفْضُ ناشئًا عن الرَّفْعِ؛ لئَلَّا يَلْزَمَ إضافةُ الشيءِ إلى نفسِه، ولأنهم يقولون: مَرَرْتُ بامرأةٍ حَسَنَةِ الوجهِ، ولو كان الوجهُ مَرفوعَ الْمَحَلِّ لم يَجُزْ تأنيثُ الصفةِ، كما لا يَجوزُ ذلك مع رَفْعِ الوَجْهِ.