الصفحة 26 من 118

ولأنها قد ثَبَتَ عَدَمُ إضافَتِها في نحوِ قولِه: (البحر الكامل)

وَاستَغْنِ مَا أَغناكَ رَبُّكَ بالْغِنَى ... وإذا تُصِبْكَ خَصاصَةٌ فتَجَمَّل

فإن قلتَ: كيف يَعملُ الْمُضافُ إليه في الْمُضافِ؟ قلتُ: القائلُ بهذا لا يَدَّعِي أنها مُضافَةٌ، بل إنها بِمَنزِلَةِ"متى"في قولِك: متى تَقُمْ أَقُمْ، في أنها مُرتبِطَةٌ بما بعدَها ارتباطَ أداةِ الشرْطِ بجُملةِ الشرْطِ، لا ارتباطَ الْمُضافِ بالْمُضافِ إليه.

قولُه:"ابْتَسَمَتْ"يُقالُ: " ابْتَسَمَ كاكْتَسَبَ، وتَبَسَّمَ كتَكَلَّمَ، وبَسَمَ يَبْسِمُ كجَلَسَ يَجْلِسُ، والْمَبْسِمُ كالْمَجْلِسِ اسمٌ لِمَكانِ الابتسامِ وهو الثَّغْرُ، وجُملةُ"ابْتَسَمَتْ"في مَوْضِعِ خَفْضٍ إن قُدِّرتْ إذا مَعمولةً " لتَجْلُو"أو الجوابُ مَحذُوفٌ، ولا مَوْضِعَ لها إن قُدِّرَتْ"إذا"مَعمولةً لها."

قولُه:"كأنه مُنْهَلٌ": هذه الجملةُ، إمَّا مُستأنَفَةٌ، وإمَّا صِفةٌ للثَّغْرِ، وإمَّا حالٌ منه.

وعلى الثاني: فإن قُدِّرَتْ إذا شَرطيَّةً كانت هي وجُملتاها اعتراضًا بينَ الصفةِ والموصوفِ للضرورةِ، وإن قُدِّرَتْ ظَرْفًا لتَجْلُو، لم تكنْ ضَرورةً؛ لأنَّ الفَصْلَ حينئذٍ شبيهٌ بالفَصْلِ بمعمولِ عاملِ الموصوفِ نحوَ: {سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ} ؛ لأنَّ الُمُضافَ إذا كان بَعْضًا مِن الْمُضافِ إليه، أو كبعضِه، كان صالحًا للحَذْفِ، فيكونُ الْمُضافُ إليه حينئذٍ كأنه معمولٌ لعامِلِ الْمُضافِ، ولهذا جازَ مَجيءُ الحالِ مِن الْمُضافِ إليه في هاتينِ المسألتينِ لاتِّحادِ عاملِ الحالِ، وعاملِ صاحبِها في التقديرِ، وعلى هذا وَجْهُ الحالِ هنا؛ إذ العوارِضُ بعضُ الثَّغْرِ، ونَظيرُه قولُه تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} ، {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا} .

وإن فُسِّرَ العَوارِضُ بجميعِ الأسنانِ كما تَقَدَّمَ مِن قولِ بعضِهم، امْتَنَعَ وَجهُ الحالِ؛ لأنه حينئذٍ نَظيرُ: جاءَ غُلامُ هِندَ ضَاحكةً؛ إذ الْمُضافُ ليس بعضًا كما في الآيتينِ الكريمتينِ، ولا كبعضٍ كما في قولِه تعالى: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ولا الْمُضافُ عاملًا في الحالِ كما في قولِه تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} .

فإن قُدِّرَتْ: تَجلُو عوارِضَ فَمٍ، جازَ هذا؛ لأنَّ العَوارِضَ بعضُ الفَمِ.

وإن فُسِّرَتْ بجميعِ الأسنانِ، وليس في الأحْرُفِ السِّتَّةِ ما يكونُ هو ومَعمولاهُ حالًا إلا حَرفينِ؛"إنَّ المسكورةَ،"وكأنَّ"نحوَ: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} ونحوَ: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ."

وسبَبُ ذلك أنَّ المفتوحةَ مُؤَوَّلَةٌ بِمَصدَرٍ مَعرِفَةٍ، وشرْطُ الحالِ التنكيرُ و"ليت"و"لَعَلَّ"طَلَبِيَّتَانِ، وشَرْطُ الجملةِ الحالِيَّةِ أن تكونَ خَبَرِيَّةً، وأمَّا"لكنَّ"فإنها مُسْتَدْعِيَةٌ لكلامٍ قَبْلَها، فلهذا لا تَقَعُ جُملتُها صِفةً، ولا صِلَةً، ولا خَبَرًا، ولا حالًا.

والْمُنْهَلُ: بضَمِّ الميمِ: اسمُ مَفعولٍ مِن أَنْهَلَه، إذا سَقاهُ النَّهَلَ بفَتحتينِ، وهو الشرْبُ الأَوَّلُ.

وقولُه:"بالرَّاحِ"فيه مسألتان:

إحداهما: أنَّ للراحِ ثلاثةَ مَعانٍ: أحدُها: الخمرُ، وهو الْمُرادُ هنا، ويُقالُ فيها أيضًا:"رَياحٌ"بياءٍ بعدَ الراءِ المفتوحةِ، قالَ امرؤُ القَيْسِ:

ولَقِيتُ ما لَقِيَتْ مَعَدٌّ كلُّها ... وفَقَدْتُ رَاحِي في الشبابِ وخالِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت