الصفحة 27 من 118

نَشاوَى تَساقَوْا بالرَّياحِ الْمُفَلْفَل

والثاني: الارتياحُ، قالَ: (البحر الكامل)

أي: ارتياحي واختيالي. وذكَرَ أبو عمرٍو أنَّ الأَوَّلَ مَنقولٌ مِن هذا؛ فإنه قالَ: سُمِّيَتِ الخمْرُ رَاحًا لارتياحِ شارِبِها إلى الكَرمِ.

والثالثُ: جَمْعُ راحةٍ وهو الكَفُّ، قالَ يَصِفُ سَحابًا دَانِيًا مِن الأرضِ:

يَكادُ يُمْسِكُه مَن قامَ بالراحِ

المسألةُ الثانيةُ: الجارُّ يَتَعَلَّقُ بِمُنْهَلٍ، وحَذْفُ نَظيرِه مُتَعَلِّقٌ بمعلولٍ، ويَجوزُ على قولِ أبي عليٍّ أن يُقالَ: إنهما تَنَازَعَاهُ؛ لأنه يُجيزُ أن يَتنازَعَ العاملان معمولًا تَوَسَّطَهما، قالَ في قولِه:

مَهْمَا تُصِبْ أُفُقًا من بَارِقٍ تَشِمِ

إنَّ"أُفُقًا"ظرْفٌ، و"مِن"زائدةٌ، و"بارِقٍ"مَطلوبٌ لتُصِب ولتَشِمِ، فأَعْمَلَ أحدَهما، وحَذَفَ مَعمولَ الآخَرِ.

قولُه:"مَعلولٌ"اسمُ مفعولٍ كما أنَّ مُنْهلًا كذلك، إلا أنَّ فِعْلَه ثُلاثيٌّ مُجَرَّدٌ، يُقالُ: علَّه يَعُلُّه بالضمِّ على القِياسِ، ويَعِلُّه بالكسْرِ: إذا سَقاهُ ثانيًا، وأَصْلُ ذلك أنَّ الإبِلَ إذا شَرِبَتْ في أَوَّلِ الوِرْدِ سُمِّيَ ذلك نَهَلًا، فإذا رُدَّتْ إلى أَعطانِها، ثم سُقِيَتْ الثانيةَ، فذلك العَلَلُ.

وزَعَمَ الحريريُّ أنَّ المعلولَ لا يُسْتَعْمَلُ إلا بهذا المعنى، وأنَّ إطلاقَ الناسِ له على الذي أَصابَتْهُ العِلَّةُ وَهْمٌ، وأنه إنما يُقالُ لذلك:"مُعَلٌّ"من أَعَلَّه اللهُ، وكذا قالَ ابنُ مَكِّيٍّ وغيرُه، ولَحَّنُوا الْمُحَدِّثِينَ في قولِهم: حديثٌ مَعلولٌ. وقالوا: الصوابُ مَعيلٌ أو مُعَلَّلٌ. انتهى.

والصوابُ أنه يَجوزُ أن يُقالَ: عَلَّهُ فهو مَعلولٌ مِن العِلَّةِ، إلا أنه قليلٌ، ومِمَّنْ نَقَل ذلك الجَوْهريُّ في"صِحاحِه"وابنُ القوطِيَّةِ في"أفعالِه"وقُطْرُبٌ في كتابِ"فَعَلْتُ وأَفْعَلْت"وذَكَر ابنُ سِيدَهْ في"الْمُحْكَمِ"أنَّ في كتابِ أبي إسحاقَ في العَروضِ"مَعلولٌ"، ثم قالَ: ولستُ على ثِقَةٍ منها. انتهى. قيلَ: ويَشْهَدُ لهذه اللغةِ قولُهم: عَليلٌ، كما يَقولون:"جَريحٌ"و"قَتيلٌ"انتهى. ولا دَليلَ في ذلك لقولِهم:"عَقيدٌ"و"ضَميرٌ"وهما بمعنى مُفْعَلٍ، لا بمعنى مَفعولٍ، ونَظيرُ هذا أنَّ الْمُحَدِّثِينَ يَقولون: أَعْضَلَ فَلَانٌ الحديثَ، فهو مُعْضَلٌ، بالفَتْحِ، ورُدَّ بأن المعروفَ أَعْضَلَ الأمْرُ فهو مُعْضِلٌ، كأَشْكَلَ فهو مُشْكِلٌ، وأجابَ ابنُ الصَّلاحِ بأنهم قالوا: أَمْرٌ عَضيلٌ، أي: مُشْكِلٌ، و"فَعيلٌ"يَدُلُّ على الثلاثيِّ، قالَ: فعلى هذا يكونُ لنا"عَضَلَ"قاصرًا،"وأَعْضَلَ"مُتَعَدِّيًا وقاصرًا، كما قالوا: ظَلَمَ الليلُ، وأَظلَمَ الليلُ، وأَظلَمَ اللهُ الليلَ. انتهى.

وقد بَيَّنَّا أنَّ فعيلًا يأتي من غيرِ الثلاثيِّ، ثم إنه لا يكونُ مِن الثلاثيِّ القاصِرِ.

قالَ:

4 -شُجَّتْ بذي شَبَمٍ من ماءِ مَحْنِيَةٍ ... صافٍ بأَبْطَحَ أَضْحَى وَهْوَ مَشمولُ

قولُه:"شُجَّتْ"الشَّجُّ: الكسرُ والشَّقُّ، ومنه: شُجَّ رأسُه، وشَجَّجَها، للمُبالَغَةِ، أَنْشَدَ سِيبويهِ رَحِمَه اللهُ تعالى: (البحر الوافر)

وكنتَ أَذَلَّ مِن وَتَدٍ بِقَاعٍ ... يُشَجِّجُ رأسَه بالفِهْرِ وَاجِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت