وتُعْرَفُ فيه مِن أبيه شَمَائِلًا ... ومِن خالِه ومِن يَزيدَ ومِن حُجَرْ
سَماحَةُ ذا وبِرُّ ذا ووَفاءُ ذا ... ونائلُ ذا إذا صَحَا وإذا سَكِرْ
وإنما قُدِّمَ هذا البيتُ على بيتِ عَنترةَ؛ لأنه جَمَعَ هذه الأشياءَ في بيتٍ واحدٍ، وقالَ حَسَّانُ رَضِيَ اللهُ عنه: (البحر الكامل)
إنَّ التي ناوَلْتَنِي فرَدَدْتُها ... قُتِلَتْ هَواكَ فهَاتِها لم تُقْتَلِ
كِلتاهما حَلَبُ العصيرِ فعَاطِنِي ... بزُجاجةٍ أَرخاهُما للمِفْصَل
ولهذا الشعْرِ حِكايةٌ حَسَنَةٌ، أَوْرَدَها الإمامُ أبو السَّعاداتِ هِبَةُ اللهِ ابنُ الشَّجَرِيِّ، في الجزءِ الثاني مِن"أَمَالِيهِ"قالَ: اجْتَمَعَ قومٌ على شَرابٍ فغَنَّى أحدُهم بهذينِ البيتينِ، فقالَ بعضُ الحاضرينَ: كيف قالَ:"إنَّ التي نَاوَلْتَنِي فَرَدَدْتُها". ثم قالَ:"كِلتاهُما"فجَعَلَها لاثنتينِ، فلم يَدْرِ الحاضرونَ، فحَلِفَ أحدُهم بالطلاقِ ثلاثًا إنْ باتَ ولم يَسْأَل القاضيَ عُبيدَ اللهِ بنَ الْحُسينِ عن ذلك. قال: فسُقِطَ في أَيْدِيهِم، ثم أَجْمَعُوا على قَصْدِ القاضِي، فيَمَّمُوهُ يَتَخَطَّوْنُ إليه الأحياءَ فصَادَفُوه في مَسْجِدٍ يُصَلِّي بينَ العِشاءَيْنِ، ولَمَّاَ أَحَسَّ بهم، أَوْجَزَ، ثم أَقْبَلَ عليهم، قالَ: ما حاجَتُكُم؟ فتَقَدَّمَ أَحْسَنُهم نَفْثَةً، فقالَ: نحنُ ـ أَعَزَّ اللهُ القاضيَ ـ قومٌ نَزَعْنا إليك مِن طريقِ البَصرةِ في حاجةٍ مُهِمَّةٍ، فيها بعضُ الشيءِ، فإن أَذِنْتَ لنا، قُلْنَا. فقالَ: قلْ. فذَكَرَ له البيتينِ والسؤالَ، فقالَ: أمَّا قولُه: إنَّ التي نَاوَلْتَنِي، فإنه يَعْنِي"الْخَمرةَ"، وأمَّا معنى قولِه:"قُتِلَتْ"فمعناه: مُزِجَتْ بالماءِ، وأمَّا قولُه:"كِلتاهُمَا حَلَبُ العصيرِ"فإنه يَعْنِي به الخمْرَ والماءَ، فالخمْرُ عصيرُ العِنَبِ والماءُ عَصيرُ السَّحابِ، قالَ اللهُ تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} انْصَرِفوا إذا شِئْتُمْ.
وقالَ ابنُ الشَّجَرِيِّ: ويَمْنَعُ مِن هذا التأويلِ ثلاثةُ أشياءَ:
أحدُهما: أنَّ"كِلْتَا"للمؤَنَّثَتَيْنِ، والماءَ مُذَكَّرٌ، والتذكيرُ يَغْلِبُ على التأنيثِ، كقولِ الفَرَزْدَقِ:
لنا قَمَرَاها والنجومُ الطوالِعُ
والثاني: أنه قالَ:"أَرْخَاهُما"، و"أَفْعَلُ"يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ، والماءُ لا إِرخاءَ فيه للمِفْصَلِ.
والثالثُ: أنه قالَ: فالْخَمْرُ عَصيرُ العِنَبِ، وحَسَّانُ يَقولُ: حَلَبُ العصيرِ، والْحَلَبُ هو الْخَمْرُ، فيَلزَمُ على قولِه إضافةُ الشيءِ إلى نفسِه، وإنما الجوابُ أنَّ المرادَ كِلتَا الممزوجةِ والصرْفِ حَلَبُ العِنَبِ، فنَاوِلْنِي أَشَدَّهما إِرخاءً وهي الصِّرْفُ التي طَلَبَها منه في قولِه:"فهَاتِها لم تُقْتَل". انتهى كلامُه.
وها هنا فَوائدُ تَتَعَلَّقُ بالبيتينِ:
إحداها: أنَّ قولَه:"قُتِلَتْ"جُملةٌ مُعْتَرِضَةٌ، ونَظيرُه في الاعتراضِ بالدعاءِ ـ إلا أنه دُعاءٌ بخبرٍ ـ قولُه: (البحر السريع)
إنَّ الثمانينَ وقد بُلِّغْتَها ... قد أَحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تُرْجُمَان
وقولُ الْخَنساءِ: (البحر الْمُنْسَرِح)