ويَجوزُ فيما عَدَا ذلك أن يَأْتِيَ بهما، أو يَتْرُكَهما، وأن يَقْتَصِرَ على الواوِ، وأن يَقْتَصِرَ على قد.
فالأَوَّلُ كقولِه تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ} والثاني كقولِه: {أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} ولهذا قَرأَ الْحَسَنُ:"حَصِرَةً صُدُورُهُمْ"ومنه: {هِذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا} وقولُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنه:"شُجَّتْ".
والثالثُ: كقولِه تعالى: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} .
والرابعُ: كقولِ الشاعرِ (البحر الطويل) :
وَقَفْتُ برَبْعِ الدارِ قد غَيَّرَ الْبِلَى ... مَعارِفَها والسارِياتُ الْهَواطِلُ
ولا يَحتاجُ في الوجهِ الثاني والوجهِ الثالثِ إلى أن يُضْمِرَ"قد"، خِلافًا للمُبَرَّدِ، والفارسيِّ، والفَرَّاءِ، وأَكثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
والوجهُ الثاني: الرَّفْعُ علَى أنه صِفةٌ للراحِ؛ لأنَّ تَعريفَها تَعريفُ الْجِنْسِ، كما أُجيزَ ذلك في قولِ: (البحر الكامل) .
ولقدْ أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُّنِي ... فمضَيْتُ ثَمَّتَ قُلْتُ ما يَعْنِينِي
وقولُه:"بِذِي"أي: بِمَاءٍ ذِي. وفيه دَليلٌ على ما قَدَّمْنَاهُ مِن أنَّ شَرْطَ حَذْفِ الموصوفِ فَهْمُ مَعناهُ لا كونُ الصفةِ مُخْتَصَّةً بجِنْسِه كما يقولُ ابنُ عُصفورٍ وغيرُه.
وقولُه:"شَبَمٍ"هو بفَتْحِ الشينِ الْمُعْجَمَةِ والباءِ الْمُوَحَّدَةِ: البَرْدُ الشديدُ، يُقالُ: غَداةٌ ذاتُ شَبَمٍ، وقد شَبِمَ الماءُ وغيرُه، وخَصِرَ، بمعنى: اشْتَدَّ بَرْدُه، وخَرِصَ الرجُلُ، بمعنى: اشْتَدَّ بَرْدُه مع الجوعِ، والفِعلانِ بالخاءِ الْمُعْجَمَةِ، والراءِ والصادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، والأفعالُ الثلاثةُ على فَعِلَ بالكسْرِ، يَفْعَلُ، بالفَتْحِ، ومَصْدَرُهُنَّ على الفَعَلِ بفَتحتينِ، ووَصْفُهُنَّ بزِنَةِ الماضِي، وقالَ أبو الطَّيِّبِ:"وَاحَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبُه شَبِمُ"
وقالَ الْمَعَرِّيُّ: (البحر البسيط) .
لو اخْتَصَرْتُمْ مِن الإحسانِ زُرْتُكُمُ ... والعَذْبُ يَهْجُرُ للإفراطِ في الْخَصَر
وعن أبي عَمْرِو بنِ العلاءِ: الشَّبِمُ مِن الناسِ: الْمَقرورُ الجامِعُ. وفي ثُبوتِ هذا عن مِثْلِ هذا الإمامِ بُعدٌ، وإن كان الناقلُ عنه الجوهريَّ؛ لأنَّ فِعْلَ هذا الوَصْفِ لا يَقتضِي ذلك، ولا يَخْتَصُّ بالحيوانِ.
وقولُه:"مِن ماءِ": صِفةٌ ثانيةٌ لماءٍ المحذوفِ، أو حالٌ منه، وإن كان نَكِرَةً لاختصاصِه بالوَصْفِ بِذِي، أو حالٌ مِن ضميرِ"ذِي"العائدِ منه علَى الموصوفِ، وهذا أَحْسَنُ؛ فإنه حُمِلَ على الأَخَصِّ الأقرَبِ، ولهذا كان ضَعيفًا جَزْمُ الزَّمخشريِّ في (مُصَدِّقًا) مِن قِراءةِ بعضِهم {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقًا} بأنه حالٌ مِن النَّكِرَةِ، والوجهُ الأوَّلُ أَحْسَنُ الثلاثةِ لتَوَسُّطِ هذا الظرْفِ بينَ صِفتينِ، وهما"ذي شَبَمٍ"و"صافٍ".