الصفحة 32 من 118

فإن قُلْتَ: قُدِّرَ قولُه"صافٍ"حالًا، وإنَّ المنقوصَ سُكِّنَ حالةَ النصْبِ للضرورةِ، فانْحَذَفَت الياءُ للساكنينِ كقولِه: (قَيْسِ بنِ الملَوَّحِ) (البحر الطويل) :

ولو أنَّ وَاشٍ باليَمامةِ دَارُهُ ... ودَارِي بأَعْلَى حَضْرَمَوْتَ اهْتَدَى لِيَا

وقولِ الفَرزْدَقِ يَهجُو هِشامَ بنَ عبدِ الْمَلِكِ: (البحر الطويل) :

يُقَلِّبُ رأسًا لم تكنْ رأسَ سَيِّدٍ ... وعينًا له حَولاءَ بادٍ عُيُوبُها

وحينئذٍ فيَتَرَجَّحُ الظرْفُ لِمُجاوَرَةِ الحالِ.

قلتُ: لا يَحْسُنُ الحمْلُ على خِلافِ الظاهِرِ، مع عَدَمِ الحاجةِ إليه، ثم مُناسَبَةُ الْمُتَقَدِّمِ أَوْلَى مِن مُناسَبَةِ الْمُتَأَخِّرِ.

وأَصْلُ الماءِ:"مَوَهَ"فقُلِبَت فاؤُه أَلِفًا على القِياسِ، وأُبْدِلَت هاؤُه هَمزةً على غيرِ القِياسِ، وَحَصَلَ بذلك توالِي إعلالَيْنِ، وجَمْعُه في القِلَّةِ"أَمواهٌ"بالهاءِ على الأَصْلِ ورُبَّمَا أَبْدَلُوها فيه، قالَ: (بحرُ الرجَزِ) :

وبَلْدَةٍ قالِصَةٍ أَمْوَاؤُهَا ... ماصِحَةٌ رَأْدُ الضُّحَى أَفْيَاؤُهَا

القالِصَةُ: الْمُرْتَفِعَةُ، والْمَاصِحَةُ: الذاهِبَةُ، ورَأْدُ الضُّحَى: ارتفاعُها.

وجَمْعُه على الأَصْلِ في الكَثرةِ"مِياهٌ"بالهاءِ لا غيرُ، وإنما قُلِبَت عينُه ياءً للكَسرةِ قَبْلَها والألِفِ بعدَها، كدارٍ ودِيارٍ، وإنما صَحَّتْ في"طِوالٍ"لصِحَّتِها في"طَويلٍ"وإنما أُعِلَّتْ في"سِيَاطٍ"مع سَلامَتِها في"سَوْطٍ"؛ لأنَّ السكونَ عندَهم كالإعلالِ.

والنِّسْبَةُ إلى"الماءِ"مَائِيٌّ بالْهَمْزِ، ومَاوِيٌّ، وكَكِسَائِيٍّ، وكِسَاوِيٍّ.

وقولُه:"مَحْنِيَةٍ"مَفْعِلَةٍ مِن حَنَوْتُ، وجَمْعُها: مَحانٍ، وأَصْلُها مَحْنُوَّةٌ، وهي عِبارةٌ عما انْعَطَفَ مِن الوَادِي؛ لأنَّ مَاءَها يكونُ أَصْفَى وأَرَقَّ، وإنما قُلِبَت الواوُ ياءً لتَطَرُّفِها في التقديرِ بعدَ كَسْرَةٍ، وقولُ التِّبريزيِّ: لوُقوعِها رابعةً بعدَ كَسرةٍ: فيه زِيادةُ ما ليس بشَرْطٍ، وهو كونُها رابعةً، ويَرُدُّه وُجوبُ القَلْبِ في قَوِيٍّ، ورَضِيٍّ، وشَجِيَّةٍ؛ فإنهنَّ مِن الرِّضوانِ، والقُوَّةِ، والشَّجْوَةِ، ونَقَصَ ما هو شَرْطٌ، وهو التصرُّفُ إمَّا تَقديرًا، كما في شَجِيَّةٍ ومَحْنِيَّةٍ، أو لفظًا: كما في قَوِيٍّ، ورَضِيٍّ، وقد اجْتَمَعَ النوعانِ في قولِه مَحْنِيَةٍ.

وقولُه:"صافٍ"إذ هو مِن الصَّفْوِ، ومِثلُه، داعٍ، وغَازٍ، وكذلك حادٍ، سواءٌ أكانَ اسمَ فاعلٍ مِن حَدَا يَحْدُو، أو اسمَ العَدَدِ، إلا أنَّ في هذا قَلبينِ: قَلْبَ الْمَكانِ، وقَلْبَ الإبدالِ؛ وذلك لأنه مِن الوَحدةِ، فأَصْلُه: واحدٌ، ثم أُخِّرَتْ فاؤُه، فصارَ حادٍ وَزْنُهُ عالِفٌ.

وقولُه:"بأَبْطَحَ": صِفةٌ، أو حالٌ، والأَبْطَحُ: مَسيلٌ فيه دِقاقُ الْحَصَا، وجَمْعُ بِطاحٍ على غيرِ القِياسِ، وأَباطِحَ على القِياسِ؛ لأنه قد صارَ اسمًا، فالْتَحَقَ بأَفْكَلَ وأَفَاكِلَ، وأحمدَ وأَحامِدَ، قالَ (البحر الوافر) :

وكائنٌ بالأباطِحِ مِن صَديقٍ ... يَرانِي لو أَصَبْتُ هو الْمُصَابَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت