الصفحة 33 من 118

وإنما خَفَضَ"أَبْطَحَ"بالفَتْحِ؛ لأنه لا يَنْصَرِفُ للوَصْفِ الْمُتَأَصِّلِ والوَزْنِ الغالِبِ، ومنهم مَن يَصْرِفُه اعتدادًا بعارِضِ الاسْمِيَّةِ، والوجهان في أَخواتِه، كأَجْرَعَ، وأَبْرَقَ، وأَدْهَمَ للقَيْدِ، والأَجودُ مَنْعُ الصرْفِ في الجميعِ.

وقولُه:"أَضْحَى"

إمَّا تامَّةٌ بمعنى: دَخَلَ في وَقْتِ الضُّحَى، فالجملةُ بعدَه حالٌ، والواوُ الداخلةُ عليها واوُ الابتداءِ، ويُقَدِّرُها سِيبويهِ بإِذْ.

وإمَّا ناقِصَةٌ، بمعنى: ثُبوتِ الخبَرِ للمُخْبَرِ عنه في هذا الوَقْتِ، فالجملةُ بعدَها خَبَرٌ، والواوُ زائدةٌ، ووَجْهُ دخولِها تَشبيهُ الجملةِ الْخَبريَّةِ بالجملةِ الحالِيَّةِ، وهذا الوَجْهُ إنما يُجيزُه أبو الْحَسَنِ والكوفِيُّونَ، وتَابَعَهم ابنُ مالِكٍ وزَعَمَ أنَّ ذلك يَكْثُرُ بِشَرْطَيْنِ: كونِ عاملِ الخبَرِ كان، أو ليس، وكونِ الْخَبَرِ مُوجِبًا بإلا، كقولِه: (البحر البسيط) .

ما كان مِن بَشَرٍ إلا وميتَتُهُ ... مَحتومةٌ لكنِ الآجالُ تَخْتَلِفُ

وقولُه: (البحر الخفيف) :

ليس شيءٌ إلا وفيه إذا ما ... قَابَلَتْهُ عينُ اللبيبِ اعتبارُ

ويَقِلُّ في غيرِ ذلك، كقولِه: (البحر الطويل)

وكانوا أُناسًا يَنْفَحُونَ فأَصْبَحُوا ... وأكثرُ ما يُعطُونَكَ النَّظَرُ الشَّزْرُ

وعلى هذا قولُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: أَضْحَى

"وهو مَشمولٌ": الذي ضَرَبَتْهُ رِيحُ الشِّمالِ حَتَّى بَرَدَ، ويُقالُ منه: غَديرٌ مَشمولٌ، ومنه قِيلَ للخَمْرِ: مَشمولةٌ، إذا كانت بارِدةَ الطَّعْمِ، قالَ: (البحر السريع)

تقولُ يا شيخُ أَمَا تَسْتَحِي ... مِن شُرْبِكَ الرَّاحَ على الكِبَرْ

فقلتُ لو بَاكَرْتِ مَشمولةً ... صَفْرَا، كلونِ الفَرَسِ الأَشْقَرْ

رُحْتِ وفي رِجْلَيْكِ، ما فيهما ... وقد بَدَا هَنْكِ مِن الْمِئْزَرْ

وفي البيتِ الأوَّلِ شاهدٌ على أنه يُقالُ: اسْتَحَى يَسْتَحِي، كاستَبَى يَسْتَبِي، وقد قرأَ يَعقوبُ وابنُ مُحَيْصِنٍ: {إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} بياءٍ واحدةٍ، ورُوِيَتْ عن ابنِ كثيرٍ أيضًا، وهي لغةُ تَميمٍ، والأصْلُ بيَاءَيْنِ، فنُقِلَتْ حَركةُ العينِ إلى الفاءِ، فالْتَقَى ساكنانِ، فقِيلَ: حُذِفَتِ اللامُ، فالوَزْنُ يَسْتَفْعِ.

وفي البيتِ الثاني شاهِدٌ على قَصْرِ الممدودِ القياسيِّ لأَجْلِ الضرورةِ، وفيه رَدٌّ على الفَرَّاءِ إذ زَعَمَ أنه لا يُقْصَرُ للضرورةِ إلا ما مَأْخَذُهُ السماعُ دونَ القِياسِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت