وفي الثالثِ شاهدٌ على جَوازِ تَسكينِ المرفوعِ الصحيحِ لأَجْلِ الضرورةِ، وعلى جَوازِ النَّقْصِ في"الْهَن"وهي أَفْصَحُ فيه مِن التَّمَامِ، ويُرْوَى"وقد بَدَا ذاكَ"فلا شَاهِدَ فيه.
ويُسَمَّى الْخَمْرُ أيضًا شَمولًا، فقالَ القَتْبيُّ: لأنها تَشتمِلُ على عَقْلِ صاحبِها، وقالَ غيرُه: لأنَّ لها عَصْفَةً كعَصْفَةِ الريحِ الشِّمالِ.
وأَفْضَلُ مِياهِ الْمَطَرِ باعتبارِ المكانِ ما كان بأَبْطَحَ بِمَحْنِيةٍ، وباعتبارِ الزمانِ ما دَخَلَ في زَمَنِ الضُّحَى، وباعتبارِ الصفاتِ القائمةِ به ما كان صافيًا شَبَمًا، وباعتبارِ ما يَطْرَأُ عليه ما هَبَّتْ عليه رِيحُ الشِّمالِ، وقد اشْتَمَلَ البيتُ على ذلك كلِّه، قالَ:
5 -تَنْفِي الرياحُ القَذَى عنه وأَفْرَطَهُ ... مِن صَوْبِ ساريةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ
قولُه:"تَنْفِي"مُضارِعُ نَفَاهُ، إذا طَرَدَه، ويُقالُ أَيضًا: نَفَى يَنْفِي، بمعنى: انْطَرَدَ يَنْطَرِدُ، يَتَعَدَّى، ولا يَتَعَدَّى، ومِن تَعَدِّيهِ قولُه تعالى: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} ومِن قُصُورِه قولُ +القُطَّامِيِّ ـ بضَمِّ القافِ ـ:
فأَصْبَحَ جَارَاكُم قَتِيلًا ونَافِيًا
أي: مُنْتَفِيًا.
وقولُه:"الرياحُ": جَمْعُ رِيحٍ، والياءُ فيهما بَدَلٌ عن واوٍ , وإنما قُلِبَتْ في الْمُفْرَدِ؛ لسُكونِها بعدَ كَسرةٍ، كما في"مِيزانٍ"و"مِيقاتٍ"وفي الْجَمْعِ لِمَا تَقَدَّمَ في"مِياهٍ"و"دِيارٍ"و"سِياطٍ"مِن مَجيءِ الكَسرةِ قَبْلَها والألِفِ بعدَها، واعتلالِها في الْمُفْرَدِ، أو سكونِها فيه، ومِن ثَمَّ صَحَّتْ في"أرواحٍ"لانتفاءِ الشرْطِ الأَوَّلِ، وفي"كُوزَةٍ"جَمْعِ"كُوزٍ"لانتفاءِ الثاني. وفي"طِوالٍ"لانتفاءِ الثالثِ، وأمَّا قولُه: (البحر الطويل)
تَبَيَّنَ لي أنَّ القَمَاءَةَ ذِلَّةٌ ... وأنَّ أَعِزَّاءَ الرِّجالِ طِيَالُهَا
فنادِرٌ.
وفي العَرَبِ مَن يَقولُ:"أَرياحٌ"كَراهيةَ الاشتباهِ بجَمْعِ رَوْحٍ، كما قالَ الجميعُ:"أَعيادٌ"كَراهيةَ الاشتباهِ بجَمْعِ"عَوْدٍ"وقولُ الحريرِيِّ: إنَّ الأرياحَ في جَمْعِ رِيحٍ لَحْنٌ. مَردودٌ، وقولُ الجوهريِّ: الريحُ واحدةُ الرياحِ والأرياحِ، وقد يُجْمَعُ على"أرواحٍ"يَقتضِي أنَّ الأرياحَ هو الكثيرُ وليس كذلك، وإنما الكثيرُ"أرواحٌ"ومنه قولُ مَيْسُونَ بنتِ بَحْدَلٍ الكلبيَّةِ ـ بالحاءِ المهمَلَةِ ـ وهي زَوجُ مُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنه وأمُّ ابنِه يَزيدَ (البحر الوافر)
لَبيتٌ تَخْفِقُ الأرواحُ فيهِ ... أَحَبُّ إليَّ مِن قَصْرٍ مُنِيفِ
ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوف
وهذا البيتُ شاهدٌ على نَصْبِ الْمُضارِعِ، بأنْ مُضْمَرَةٍ لعَطْفِه على اسمٍ متَقَدِّمٍ، وحَرَّفَ أكثرُهم أَوَّلَه، فأَنْشَدَه: لَلُبْسُ، وإنما هو بالواوِ عَطْفًا على قَوْلِها: لبيتٌ. وما بعدَه.
وقولُه:"الْقَذَى"هو بالذالِ الْمُعْجَمَةِ: ما يَسْقُطُ في العينِ والشرابِ، والواحدةُ:"قَذَاةٌ".