فهرس الكتاب
26 -تَخْذِي على يَسَرَاتٍ وهي لَاحِقَةٌ ... ذوابِلٌ مَسُّهُنَّ الأرضَ تَحليلُ
الْخَذْيُ والْخَذَيانُ والوَخْذُ: ضَرْبٌ مِن السيرِ. يُقالُ: خَذَى بالمعْجَمَتَيْنِ مَفتوحتينِ يَخْذِي بالكسْرِ خَذْيًا وخَذَيَانًا، ووَخْذَ يَخِذُ وَخْذًا، وخَوَذَ يَخوذُ تَخْوِيذًا، اسْتُعْمِلَتْ فيه التقاليبُ الثلاثةُ بمعنًى، وليس واحدٌ منها مَقلوبًا؛ لاستكمالِ كلٍّ منها تصاريفَه، ولذلك خُطِّئَ مَن قالَ في"جَذَبَ"و"جَبَذَ": إنَّ أَحَدَهما مَقلوبٌ مِن الآخَرِ؛ لقولِهم: جَذَبَ يَجْذِبُ جَذْبًا، وجَبَذَ يَجْبِذُ جَبْذًا.
و"الْيَسَرَاتُ": قالَ التِّبريزيُّ: القوائمُ. والصوابُ قولُ الجوهريِّ: إنها القوائمُ الْخِفافُ، واشتقاقُها مِن اليُسْرِ، وهو حاصِلٌ مَعَ الْخِفَّةِ حُصولًا أكْمَلَ.
واللاحِقَةُ: الضامِرَةُ , أي: الخفيفةُ اللحْمِ.
وضميرُ"هي"لليَسَرَاتِ , لا الناقةِ لأمرينِ:
أحدُهما: قولُه: ذَوابِلُ مَسُّهُنَّ الأرضَ تحليلُ. وذلك مِن صِفاتِ القوائمِ خاصَّةً.
والثاني: أنه إن لم يُحْمَلْ على ذلك، تَنَاقَضَ مع قولِه: قُذِفَتْ بالنَّحْضِ عن عُرُضٍ، وقد يُقالُ: التناقُضُ لازِمٌ له؛ لقولِ:"فَعْمٌ مُقَيَّدُهَا"؛ إذ معناه أنَّ أَطرافَها غَليظةٌ، ويُجابُ بأنَّ الْمُرادَ بالفُعومةِ: غِلَظُ الأعصابِ والعِظامِ، وبالضُّمورِ: قِلَّةُ اللحمِ، فلا تَنافِيَ، وإذا كانت القوائمُ قليلةَ اللحمِ لم تكن رَهْلَةً، ولا مُسْتَرْخِيَةً، وكان ذلك أَسرَعَ لرَفْعِ قَوائِمِها وبَسْطِها.
ورَوَى عبدُ اللطيفِ"لاهِيَةٌ"بَدَلَ"لاحقةٌ"ولا إشكالَ عليه، والمعنى: أنها تُسْرِعُ مِن غيرِ اكتراثٍ، كأنَّ ذلك سَجِيَّةٌ لها، فهي تَفْعَلُه وهي غَافِلَةٌ عنه.
والواوُ مِن قولِه:"وهي"إمَّا زائدةٌ في أَوَّلِ الجملةِ الموصوفةِ بها"يَسَرَاتٌ"، كما قالَ بعضُهم في قولِه تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} أو هي واوُ الحالِ، وسَوَّغَ مَجيءَ الحالِ مِن النَّكرةِ وهي"يَسراتٍ"عَدَمُ صلاحِيَةِ الجملةِ الوصفِيَّةِ لاقترانِها بالواوِ، ومِثلُهُ قولُه تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} وقولُ الشاعرِ (البحر الطويل)
مَضَى زَمَنٌ والناسُ يَستَشْفِعُونَ بي ... فهل لي إلى لَيْلَى الغَداةَ شَفيعُ
ومَن رَوَى"لاهيةٌ"فالواوُ للحالِ لا غيرُ، وصاحبُها الضميرُ"تَخْذِي"
وقولُه:"ذوابلٌ"جَمْعُ"ذابِلٍ"وهو اليابِسُ، وهي خَبَرٌ ثانٍ، أو خَبَرٌ لِمَحذوفٍ، ويَجوزُ نَصْبُها حالًا مِن ضميرِ"لاحقةٌ"وجَرُّها صفةٌ لـ"يَسراتٍ"وإنما تُؤَنَّثُ للضرورِة، كقولِه: قَوَاطِنًا مَكَّةَ مِن وَرَقِ الْحِمَى.
وقولُه:"مَسُّهُنَّ الأرضَ تَحليلُ"إشارةٌ إلى سُرْعَةِ رَفْعِها قوائمَها، وذلك أنَّ التحليلَ مِن"تَحِلَّةِ اليمينِ"فالمعنى أنَّ مَسَّهُنَّ الأرضَ قليلٌ، كما يَحْلِفُ الإنسانُ على الشيءِ لَيَفْعَلَنَّهُ، فيَفعلُ منه اليَسيرَ، ليَتَحَلَّلَ به مِن قَسَمِه، هذا أَصْلُه، ثم كَثُرَ حتى قِيلَ لكلِّ شيءٍ لم يُبالَغْ فيه، وفي الحديثِ: (( لَا يَمُوتُ لِأَحَدِكُمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ) )وقالَ جَماعةٌ مِن الْمُفَسِّرِينَ: إنَّ اليمينَ هنا على الأَصْلِ الذي هو القَسَمُ, لا أنه كِنايةٌ عن القِلَّةِ؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: {وِإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} والمعنى: