فهرس الكتاب
28 -كأنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا إذا عَرِقَتْ ... وقد تَلَفَّعَ بالقَوْرِ العَسَاقِيلُ
للأَوْبِ أَربعةُ مَعانٍ:
أحدُها: الرَّجْعُ، فهما مُترادِفانِ مُتوازنانِ، ومِثْلُه في المعنى: الإيابُ، ومنه قولُه تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} .
والثاني: الْمَطَرُ، سَمَّوْهُ بذلك كما سَمَّوْهُ رَجْعًا؛ لأنَّهم يَزْعُمُون أنَّ السَّحابَ يَحْمِلُ الماءَ مِن بُخارِ الأَرْضِ، ثم يُرْجِعُه إليها، أو أَرَادُوا التفاؤُلَ له بالرجوعِ والأَوْبِ، أو لأنَّ اللهَ يُرْجِعُه وَقْتًا فَوَقْتًا، قالَ اللهُ تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} أي: ذاتِ الْمَطَرِ، ومِن أبياتِ إيضاحِ أبي عَلِيٍّ رَحِمَه اللهُ تعالى: (البحر الطويل)
رَيَّاءُ شَمَّاءُ لا يَأْوِي لِقُنَّتِهَا ... إلا السَّحَابُ وإلا الأَوْبُ والسَّيْلُ
الثالثُ: سُرعةُ تَقليبِ اليَدَيْنِ والرِّجلينِ في السَّيْرِ، يُقالُ منه: ناقةٌ أَوُوبٌ على فَعولٍ، وهو مَكتوبٌ في"الصِّحاحِ"بِهَمزتينِ، وهو سَهْوٌ.
والرابعُ: المكانُ والْجِهَةُ، يُقالُ: جَاؤُوا مِن كلِّ أَوْبٍ.
والمرادُ في البيتِ: المعنى الأَوَّلُ أو الثالثُ، لا الثاني ولا الرابعُ.
"وذِرَاعَيْهَا": مخفوضٌ لَفْظًا، مرفوعٌ مَحَلًّا،"وإذا عَرِقَتْ"كنايةٌ عن وَقْتِ الهاجِرَةِ، أي: كأنَّ رَجْعَ يَدَيْهَا، أو سُرعةَ تَقليبِ يَدَيْهَا وَقتَ اشتدادِ الحرِّ، والْمُشَبَّهُ به مَذكورٌ في قولِه بعدَ ذلك: ذِراعَا عَيْطَلٍ. وإنما خُصَّ التشبيهُ بهذا الوَقْتِ؛ لأنَّ السرابَ إنما يَظْهَرُ عندَ قُوَّةِ حَرِّ الشمسِ.
وتَلَفَّعَ: اشْتَمَلَ، وهو مِن اللِّفاعِ، كتَلَحَّفَ مِن اللِّحافِ، وتَنَقَّبَ مِن النِّقابِ، واللِّفاعُ: ما يُتَلَفَّعُ به، أي: يُتَلَحَّفُ. قالَ وَضَّاحُ اليَمَنِ أو جَريرٌ: (البحر الْمُنْسَرِح) .
لم تَتَلَفَّعْ بفَضْلِ مِئْزَرِهَا ... دَعْدٌ ولم تَغْدُ دَعْدُ في العُلَب
ويُرْوَى:"ولم تُسْقَ"
والقَوْرُ: جَمْعُ قَارَّةٍ. قالَ: (بحر مَشطور السريع)
هل تَعْرِفُ الدارَ بأَعْلَى ذي الْقَوْرِ ... قد دَرَسَتْ غيرَ رَمادٍ مَكفور
والقارَّةُ: الْجَبَلُ الصغيرُ.
وللعَساقيلِ مَعنيانِ:
أحدُهما ـ هو الْمُرادُ هنا ـ: السرابُ قالَ الجوهريُّ: لم أَسْمَعْ بوَاحدةٍ.