فهرس الكتاب
أحدُهما: أنه جَعَلَ القائلَ:"اضْحِ لِمَن أَحْرَمْتَ له"النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما هو ابنُ عمرَ.
والثاني: أنه قالَ: والْمُصْطَخِمُ مَنصوبٌ؛ لأنَّه خَبَرُ أَضْحَى، وليس في البيتِ أَضْحَى، وإنما هو خَبَرُ يَظَلُّ.
وقولُه:"مَملولٌ". اسمُ مفعولٍ مِن مَلَلْتُ الْخَبْزَةَ في النارِ بالفتْحِ، أَمُلُّها بالضَّمِّ، مَلًّا: إذا عَمِلْتَها في الْمَلَّةِ بفتْحِ الميمِ، والْمَلَّةُ: الرمادُ الحارُّ عندَ الأكثرينَ، وقالَ أبو عُبيدةَ: هي الْحُفْرَةُ نفسُها، وعلى القولينِ فاعْلَمْ فَسادَ قولِهم: أَطْعِمْنَا مَلَّةً، والصوابُ: خُبْزَ مَلَّةٍ، ويُقالُ لذلك الْخُبْزِ: مَملولٌ، ومَليلٌ أيضًا، ويُقالُ مِن السآمَةِ: مَلِلْتُ بالكسْرِ أَمَلُّ بالفتْحِ مَلَلًا ومَلالةً، ومَلَّةً بالفتْحِ أيضًا، فالْمَلَّةُ مُشْتَرِكَةٌ، وأَمَّا الْمِلَّةُ بكسْرِ الميمِ، فالدِّينُ والشريعةُ.
والمعنى: أنَّ الآكامَ تَلَفَّعَتْ بالسرابِ في يومٍ يَظَلُّ الْحِرباءُ فيه مُحْتَرِقًا بالشمسِ، كأنَّ ما بَرَزَ منه للشمْسِ مَملولٌ كما تُمَلُّ الْخَبزةُ في النارِ.
وقالَ رَحِمَه اللهُ تعالى:
30 -وقالَ للقومِ حادِيهِمْ وقد جَعَلَتْ ... وُرْقُ الْجَنَادِبِ يَرْكُضْنَ الْحَصَا قِيلُوا
الواوُ عاطفةٌ على قولِه:"وقد تَلَفَّعَ"فمَحَلُّ المعطوفِ نَصْبٌ بما نَصَبَ الحالَ المعطوفَ عليها.
والواوُ في قولِه:"وقد جَعَلَتْ"واوُ الحالِ، وعامِلُ الحالِ فِعْلُ القولِ، أو قولُه: حَادِيهِمْ.
وقالَ عبدُ اللطيفِ: هذا البيتُ معطوفٌ على قولِه:"وقد تَلَفَّعَ"، والواوُ للحالِ في الموضعينِ انتهى، وهو مَنقولٌ مِن كلامِ التِّبريزيِّ وفيه تَناقُضٌ ظاهِرٌ.
والوُرْقُ جَمْعُ أَوْرَقَ، وهو الأَخْضَرُ إلى السوادِ، وإنما يكونُ هذا الصِّنْفُ في القِفارِ الْمُوحِشَةِ القَوِيَّةِ الحرارةِ البعيدةِ مِن الماءِ، ويُقالُ: أُرْقٌ بالهمزِ؛ لأنَّ الواوَ مَضمومةٌ لازِمَةٌ، ومِثلُه: وُجوهٌ وأُجُوهٌ، ووُقِّتَتْ وأُقِّتَتْ، وقولِنا:"لازِمَةٌ"احترازٌ مِن نحوِ: هذا دَلْوٌ وأمَّا الوُرْقُ في بيتِ الكِتابِ، وهو أَوَّلُ بيتٍ فيه وهو للعَجَّاجِ.
قواطِنًا مَكَّةَ مِن وُرْقِ الْحِمَى فجَمْعُ"وَرقاءَ"، وأَصْلُ الْحِمَى: الْحِمامُ، فحَذَفَ الميمَ الثانيةَ، ثم قَلَبَ الألِفَ ياءً، وقِيلَ: بل حُذِفَت الألِفُ للضرورةِ، كما يُحْذَفُ أَلِفُ الممدودِ، فاجتَمَعَ مِثلانِ، فأُبْدِلَ الثاني ياءً، كما قالوا: فلا ورَبِّكَ، لا ورَبْيِكَ، ثم كُسِرَ الميمُ للمناسَبَةِ، ولتصحيحِ الرَّوِيِّ، وقيلَ غيرُ ذلك.
"والْجَنَادِبُ"جَمْعُ جُنْدُبٍ، بضَمِّ الدالِ، أو جُنْدَبٍ بفَتْحِها، وهُنَّ ضَرْبٌ مِن الْجَرادِ، وقِيلَ: هي الْجَرادُ الصِّغارُ، ونُونُه عندَ سِيبويهِ زائدةٌ؛ إذ ليس عندَه في الكلامِ فُعْلَلٌ"بضَمِّ أَوَّلِه وفَتْحِ ثالثِه، وأَثْبَتَ ذلك الأَخْفَشُ في جُخْدَبٍ، وطُحْلَبٍ، وألفاظٍ أُخَرَ، فعلى قولِه النونُ أَصْلٌ."
"ويَرْكُضْنَ": يَدْفَعْنَ وفي حديثِ الاستحاضةِ:"هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ"ومِن هذا الأَصْلِ قالوا: رَكَضَ الدابَّةَ يَرْكُضُها رَكْضًا؛ لأنَّ معناه: دَفَعَها في جَنْبَيْها برِجْلَيْه لتَسِيرَ، ثم كَثُرَ ذلك حتى جُعِلَ بمعنى حَمْلِها على السيْرِ، وإن لم يَدْفَعْ بالرِّجلينِ ولا غيرِهما، وقولُهم: رَكَضَت الدابَّةُ بفَتْحِ الراءِ والضادِ: بمعنى: عَدَتْ، عَدَّهُ في اللحْنِ الجوهريُّ والحريريُّ وغيرُهما، وقالوا: الصوابُ: رُكِضَتْ على بِناءِ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، وقالَ ابنُ سِيدَهْ في"الْمُحْكَمِ: رَكَضَ الدابَّةَ يَرْكُضُها ورَكَضَتْ هي. وأَبَاهَا بعضُهم. انتهى."
والصوابُ عندي: الْجَوَازُ، لقولِهم: رَكَضَ الطائرُ رَكْضًا، إذا أَسْرَعَ في طَيَرَانِه، قالَ:
كأنَّ تَحْتِي بازِيًا رَكَّاضًا.