فهرس الكتاب
خَضَبَ اللبانَ ورأسُهُ بالعِظْلَم
الْمِخْذَمُ بكَسْرِ الميمِ، وإعجامِ الخاءِ، والذالِ: القاطعُ، والعِظْلَمُ بكسْرِ العينِ المهمَلةِ, وبالظاءِ المعجَمَةِ: شَجَرُ الكَتَمِ بفَتحتينِ، وهو الذي يُصْبَغُ به الشَّيْبُ وغيرُه، أي: عَهِدْتُه وقتَ ارتفاعِ النهارِ وقد تَخَضَّبَ صَدْرُه ورأسُه بدَمِه، وَأَصْلُه عندَ أبي عُبيدةَ: أَشَدَّ النهارِ، فحُذِفَت الهمزةُ، وزَعَمَ في الأَشُدِّ مِن قولِه تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أنه جَمْعٌ لأَشَدَّ على حَذْفِ الزيادةِ، وهو شَدُّ، واسْتَشْهَدَ بقولِهم: شَدَّ النهارِ، فعلى هذا شَدَّ وأَشَدَّ، مِثلُ قولِهم للمَرْعَى: أبٌّ وأَوْبٌ، وهذا أَحَدُ قَوْلَيْ السِّيرافيِّ، وقالَ سِيبويهِ، واحدُها شِدَّةٌ، كنِعمةٍ وأَنْعُمٍ، وقالَ أبو الفَتْحِ: جاءَ على حَذْفِ التاءِ كما في نِعمةٍ وأَنْعُمٍ، وقالَ الْمَازِنِيُّ: جَمْعٌ لا وَاحِدَ له، وهو الثاني مِن قولِ السيرافيِّ.
وانتصابُ شَدَّ النهارِ على الظرفيَّةِ على حَذْفِ شيءٍ، فإنْ كانَ الشَّدُّ اسمًا للارتفاعِ، كما هو المشهورُ، فالمحذوف مُضافٌ، أي: وَقْتَ ارتفاعِ النهارِ، ويكونُ مِن بابِ قولِهم: جِئْتُكَ صلاةَ العصْرِ، وإن كان أَصْلُه"أَشَدَّ"كما زَعَمَ أبو عُبيدةَ، فهو مَوصوفٌ، أي: وَقتًا أَشَدَّ النهارِ.
وقولُه:"ذراعَا عَيْطَلٍ"خَبَرٌ لكأنَّ كما قَدَّمْنَا، وهو على حَذْفِ مُضافٍ؛ إذ المعنى: كأنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا في هذه الحالاتِ أَوْبُ ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ، والعَيْطَلُ: الطويلةُ، والنَّصَفُ: التي بَينَ الشابَّةِ والكَهْلَةِ، وما أَحسنَ قولَ الحماسيِّ: (البحر البسيط)
لا تَنْكِحَنَّ عَجوزًا إن دُعِيتَ لها ... واخْلَعْ ثيابَك منها مُمْعِنًا هَرَبَا
وإنْ أَتَوْكَ وقالوا إنها نَصَفٌ ... فإنَّ أَمْثَلَ نِصْفَيْهَا الذي ذَهَبَا
وتصغيرُ النَّصَفِ: نُصَيْفٌ، بغيرِ هاءٍ؛ لأنها صِفَةٌ، وجَمْعُها: أنصافٌ، ويُقالُ أيضًا: رَجُلٌ نَصَفٌ، ورِجالٌ أَنصافٌ وحَكَىَ يَعقوبُ:"نَصَفُونَ"أيضًا، وهو غَريبٌ؛ لأنَّ مُؤَنَّثَه لا يَقْبَلُ التاءَ، ويكونُ النَّصَفُ جَمعًا للناصِفِ، وهما كالخادِمِ والْخَدَمِ وَزْنًا ومَعْنًى.
والنُّوقُ النُّكْدُ: اللاتي لا يَعيشُ لهنَّ وَلَدٌ، والواحدةُ: نَكداءُ، وفي"الْمُحْكَمِ": النُّكْدُ مِن الإِبِلِ: الغَزيراتُ اللَّبَنِ، وقيلَ: هي التي لا يَبْقَى لها وَلَدٌ، قالَ الكُمَيْتُ: (البحر الطويل) .
ووَحْوَحَ في حُضْنِ الفتاةِ ضَجِيعُها ... ولم يَكُ في النُّكْدِ الْمَقَاليتِ مُشْخَبُ
انتهى.
ويَظْهَرُ لي أنَّ أَصْلَه للغَزيراتِ اللَّبَنِ، ولهذا وُصِفَ النُّكْدُ بالْمَقالِيتِ، وهو جَمْعُ مِقْلَاتٍ، وهي التي لا يَعيشُ لها وَلَدٌ، وكلُّ مِقلاتٍ نَكداءُ لكَثرةِ لَبَنِها؛ لأنَّها لا تُرْضِعُ إذ لا وَلَدَ لها، والتاءُ في"الْمِقْلَاتِ"أصلٌ، وليست للتأنيثِ واشتقاقُ الْمِقلاتِ عِندِي مِن القَلَتِ بفتْحِ القافِ والتاءِ وهو الْهَلاكُ، وفي الحديثِ: (( الْمُسَافِرُ وَمَالُهُ عَلَى قَلَتٍ إِلَّا مَا وَقَى اللهُ ) ). وقالَ الشاعِرُ: (البحر الرجَز)
لو عَلِمَتْ إيثارِي الذي هَوَتْ ... ما كنتُ منها مُشْفِيًا على القَلَت