فهرس الكتاب
والصنف الرابع هم: القائلون بالجمع بين الأمر والقدر والسبب؛ فعندهم: أن سِرّ العبادة وغايتها مبني على معرفة حقيقة الإلهية ومعنى كونه ـ سبحانه وتعالى ـ إلهًا، [و] أن الإلهية موجب الإلهية ومقتضاها وارتباطها كارتباط متعلَّق الصفات بالصفات وكارتباط المعلوم بالعلم والمقدور بالقدرة والأصوات بالسمع والإحسان بالرحمة والإعطاء بالجود؛ فعندهم: من قام بمعرفتها على نحو الذي فسّرناها به لغة وشرعًا مصدرًا وموردًا استقام له معرفة العبادات وغاياتها به، وعلم أنها هي الغاية التي خُلقت لها العباد ولها أُرسلتْ الرسل وأُنزلت الكتب وخُلقت الجنة والنار [1] .
(1) والصنف الرابع يُعتبر هو المقصود بالذات من هذا البحث في باب العبادة وفي تحقيق مقام {إياك نعبد وإياك نستعين} .
وإنما ذكرت هذه الفرق كلها محجوبة عن الحق من باب ذكر الأضداد وإنما تُعرف الأشياء بأضدادها إذا عرف ضوء النهار عرف ظلام الليل وإذا عرف الخير عرف الشر وعرف قيمة الخير عرف سوء الشر وهكذا الأمر تتبيّن وإنما تتبيّن الأمور بأضدادها، ومحاسن الأمور لا تُعرف إلا بضدّها؛ لذلك: ذُكرت هذه الفرق مع تفاوُتها في الضلال، كلها بعيدة عن مفهوم الإسلام الصحيح في باب العبادة.
وأما (( الصنف الرابع ) )وهم أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، سمّاهم ابن القيِّم: (المحمديُّون الإبراهميُّون) هكذا وصفهم.
(( القائلون بالجمع بين الخلق والأمر ) ). الله ـ سبحانه وتعالى ـ له الخلق والأمر؛ الأمر بنوعيه: الأمر الديني الشرعي، والأمر الكوني القدري؛ كما أنّ الإرادة تنقسم إلى الكونية والشرعية كذلك الأمر؛ الأمر الشرعي مثل قوله: {أقيموا الصلاة وآتو الزكاة} هذا أمرٌ شرعي، والأمر الكوني كقوله ـ تعالى ـ: {وإذا أردنا أن نُهلك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميرًا} ، {أمرنا} الشاهد هنا، وهل الله ـ سبحانه وتعالى ـ المترَفين حتى يُسرفوا فيفسقوا؟، هذا أمرٌ كوني ليس أمرًا شرعيًّا ـ على أحد الأقوال، في الآية أقوال بإمكانكم أن ترجعوا إلى كتب التفسير ـ؛ وعلى كلٍّ هذا مثال من أمثلة الأمر الكوني.
أهل السنة والجماعة المحمديون الإبراهميّون ـ كما سمّاهم العلامة ابن القيّم ـ يجمعون بين الخلق والأمر: يؤمنون بأن الله له الأمر وله الخلق، وأنّ الأمر غير الخلق؛ ويؤمنون بالقدر والسبب؛ ولا منافاة بين القدر وبين السبب؛ يؤمنون بمراتب القدر: بعلم الله السابق، وكتابه السابق، ومشيئته العامّة، وخلقه وإيجاده؛ هذا كله له.
والإيمان بالقدر ـ بمراتبه ـ نظام التوحيد؛ فمن وحّد الله وكفر بالقدر فسد توحيده ـ كما قال عبد الله بن عبّاس ـ
ويؤمنون بـ (( السبب ) )ويرون أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ جعل لكل شيء سببًا، ربط بين الأسباب والمسبَّبات، ما من شيء في الدنيا والآخرة إلا وله سبب: للموت سبب، للحياة سبب، للشقاوة أسباب، وللسعادة أسباب، ولتحصيل العلم أسباب، ولولادة المولود أسباب، للشر أسباب، للخير أسباب؛ هكذا أراد الله، ربط كل شيء بالأسباب.
يؤمنون بوجود الأسباب والمسبَّبات، وأن المسبَّبات لا تحصل وحدها إلا بالأسباب: لا يعتقدون أنّ الإنسان قد ينال السعادة ثم الجنة بدون سبب؛ الله جعل للسعادة أسبابًا ولدخول الجنة أسبابًا، وكذلك العكس: للشقاوة أسباب ولدخول النار أسباب؛ وهكذا جميعُ الأمور.
ادرسوا هذا الموضوع في كلام شيخ الإسلام في المجلّد الثامن الذي خصّصه للقدر (( كتاب القدر ) )مجلّد ضخم، هذا الكتاب مع (( شفاء العليل ) )يكفيان لمعرفة مسائل القضاء والقدر والأسباب وأفعال العباد هذه مسائل معقدّة وخطيرة جدًّا ينبغي تحقيقها.
(( فعندهم ) )عند هؤلاء المحمديِّين.
(( أن سِرَّ العبادة وغايتها مبنيٌّ على معرفة حقيقة الإلهية ) )ما معنى الإلهية (( ومعنى كونه ـ سبحانه وتعالى ـ إلهًا ) )الجملة الثانية تفسيرٌ للجملة الأولى؛ أي: معرفة كونه ـ سبحانه وتعالى ـ إلهًا، أي: مألوهًا معبودًا، محبوبًا.
(( [و] أن العبادة موجَب الإلهية ) )ما تقتضيه الإلهية؛ (( موجَب ) )بمعنى (مقتضى) ؛ لذلك: الألفاظ الثلاثة هذه تقريبًا مترادفة:
(( موجَب الإلهية وأثرها ومقتضاها ) ). العبادة مقتضى الإلهية؛ ومن عرف معنى الإلهية وآمن بالإلهية آمن بالعبادة وعرف أنها إنما شُرعتْ العبادة لتحقيق معنى العبودية.
(( وارتباطها ) )ارتباط العبادة بالإلهية.
(( كارتباط متعلَّق الصفات بالصفات ) ). متعلَّق القدرة ما هو؟، هذا الكون كله؛ أو ـ إنْ شئت ـ: الجائزات والممكنات، لأنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ إنما يوجِد بقدرته الجائزات والممكنات دون المستحيلات؛ قدرة الله ـ تعالى ـ لا تتعلّق بالمستحيلات لا لأنه عاجز، لا، بل لكون ذلك غير لائق بالله ـ تعالى ـ كتعلُّقها بالشريك والولد والصاحبة؛ لا يقال الله عاجزٌ عن خلق الشريك له ولكن يقال: قدرة الله لا تتعلّق بذلك لأن ذلك مستحيلٌ لا يليق بالله ـ تعالى ـ؛ فقدرة الله ـ تعالى ـ تتعلّق بغير المستحيلات.
إذا صعُب عليكم هذا فلنقل: متعلَّق العلم: جميع المعلومات، ومتعلَّق الإرادة، ومتعلَّق السمع، ومتعلَّق البصر المسموعات والمبصَرات.
التفريق بين الصفة وبين متعلَّقها ينافي الشرع والعقل معًا؛ ولذلك العبارات التالية تُعتبر تفسير لهذا الكلام المجمل.
لذلك قال: (( وكارتباط المعلوم بالعلم ) )المعلوم هو المتعلَّق، لأن العلم يتعلّق بجميع المعلومات؛ الله ـ سبحانه وتعالى ـ عالمٌ بكل شيء: بالواجبات بالمستحيلات بالممكنات كلها معلومة، علم الله ـ تعالى ـ متعلِّقٌ بكلّ شيء لأنه عالمٌ بكل شيء حتى المستحيلات، أي: يعلمها بأنها مستحيلة، ويعلم بالموجودات بعد وجودها ويعلم أنها موجودة، وتتعلّق بالمعدومات قبل وجودها يعلم أنها غير موجودة.
والتفريق بين العلم وبين المعلوم مستحيل؛ لذلك: كلا المعتزلة: (عالمٌ بذاته ـ أو عالمٌ بغير علم ـ، سميع بغير سمع، بصير بغير بصر) كلاٌم باطل غير معقول.
كما أنه لا يفرَّق بين العلم والمعلوم (( والمقدور بالقدرة، والأصوات بالسمع، والإحسان بالرحمة، والإعطاء بالجود ) ). كما أنه لا يجوز التفريق بين هذه الصفات وبين متعلَّقاتها ـ على ما مثّل ـ كذلك لا يجوز التفريق بين العبادة وبين الإلهية؛ إذًا: هؤلاء لم يعرفوا الإله ولم يعرفوا ما حقيقة الإلهية لذلك قالوا: العبادة ليس للتألُّه ولا لها غاية، ولكن لمطلق الرياضة النفسية.
(( فعندهم ) )عند هؤلاء المحمديِّين.
(( من قام بمعرفتها ) )معرفة العبادة.
(( على النحو الذي فسّرناها به ) )منذ بدأ في تأليف الرسالة، من أول الرسالة.
(( لغة وشرعا ) )تقدم بيان أن حقية العبادة: غاية الحب مع غاية الذل؛ يشير إلى هذه المعاني.
(( مصدرًا ومورِدًا ) )مصدر العبادة ومورد العبادة: الوحي؛ ترد العبادة بطريق الوحي وتصرد بطريق الوحي، ليست هناك عبادة بالاستحسان، بالابتاع، بالتقليد، لا.
من قام بهذه المعرفة (( استقام له معرفة حكمة العبادات وغايتها به ) ). من قام بمعرفة العبادة على النحو الذي فسّرناها به لغة وشرعًا مصدرًا وموردًا استقام له معرفة حكمة العبادات؛ ولفظة (( به ) )لو تُركت تكون أفضل.
(( وعلم أنها الغاية التي خُلقتْ لها العباد ) )إنما أنّث الفعل لأن الفاعل جمع (( كل جمع مؤنّث ) ). ويجوز أن تقول: خلق لها العباد؛ إذا حصل فاصل بين الفعل وبين الفاعل يجوز التذكير ويجوز التأنيث.
(( ولها أُرسلت الرسل، وأُنزلت الكتب، وخلقت الجنة والنار ) ). خلقت الجنة لتكون دارًا لإكرام العُبّاد الذين عبدوا الله على بصيرة فوحّدوه فعبدوه بإخلاص ومتابعة؛ دارٌ لكرامة هؤلاء، وجزاء وثواب؛ لكن مع ذلك فضل ـ فضلٌ من الله ـ، وليستْ ثمنًا وليستْ عِوَضًا ـ كما تقدّم. والنار جُعلت سجنًا للذين عصوا رب العالمين وتمرّدوا على اختلاف في ذلك: منهم من تكون لهم سجنًا غير مؤبَّد، ويقيمون في هذا السجن على حسب تفاوتهم في العصيان والتمرُّد، ما لم يصل التمرُّد إلى خراب القلب، وخراب القلب هو الكفر، ومن وصل إلى هذه الدرجة فسجنه مؤبَّد ولا نهاية له ـ فنسأل الله لنا ولكم السلامة ـ.