فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 168

وقد صرّح ـ سبحانه وتعالى ـ بذلك في قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ؛ فالعبادة هي التي ما وُجدت الخلائق كلها إلا لأجلها كما قال

ـ تعالى ـ: {أيحسب الإنسان أن يُتْرك سُدىً} أي: همَلًا، قال الشافعي ـ رحمه الله ـ: (( لا يُؤمر ولا يُنهى ) )، وقال غيره: (( لا يُثاب ولا يعاقب ) )، وهما تفسيران صحيحان فإنّ الثواب والعقاب مترتِّبٌ على الأمر والنهي، والأمر والنهي هو: طلب العبادة وإرادتها [1] .

(1) قال المؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ: (( وقد صرّح ـ سبحانه وتعالى ـ بذلك ) )بهذا المعنى: أن العبادة هي التي خلقتْ من أجلها العباد ولها أُرسلت الرسل إلى آخره.

(( في قوله ـ تعالى ـ: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ) )لأن (اللام) في {ليعبدون} عند علماء العربية ـ أو عند النُّحاة ـ عند علماء اللغة: (لام العلة) وتسمى (لام الحكمة) المعنى واحد، إنْ قال بعضهم (لام العلة) أو (لام الحكمة) المعنى واحد.

والذين نفوا أن تكون العبادة هي الغاية وأنّ الله إنما يخلق ويفعل لحكمة، أي: الذين يُنكرون الحكمة ـ ومنهم الأشاعرة ـ في باب العلم لأن الأشاعرة من نُفاة الحِكَم في أفعال الرب ـ سبحانه وتعالى ـ يقولون في هذه اللام: (لام الصيرورة) أي: خلقهم الله لا لهذه الغاية ولا لهذا الغرض ولكن صار الأمر فيما بعد إلى هذه الغاية ـ إلى العبادة ـ؛ هذه جُرأة أشعرية وقولٌ على الله بغير علم. ولو كان إثبات الحكمة نقصًا في حقِّ الله ـ تعالى ـ الله يُخبر ويبيِّن لعباده لا يوصف بالحكمة، بل من أسمائه ـ تعالى ـ الحكيم ـ العليم الحكيم ـ؛ كيف يقال أنه يخلق ويرزق ويفعل ويشرِّع ويقضي بلا حكمة؟، يكون عبثًا؛ هذا ما فات على الأشاعرة فلينتبه لهم لأنهم جاءوكم في عُقر داركم، كنتم تتحدّثون عنهم غيابيًّا فقد حضروا.

(( فالعبادة ) )الفاء (فاء الفصيحة) .

(( فالعبادة ) )إذًا (( هي التي ما وُجدت الخلائق كلها إلا لأجلها ) ). هذا يُعتبر تلخيصًا للكلام السابق كله؛ لذلك: تُعتبر (الفاء) هنا (فاء الفصيحة) تُفصح عن جواب شرط مقدّر: فإذا كان الأمر كذلك كما شرحنا فالعبادة إذًا ـ هي التي ما وُجدت الخلائق كلها إلا لأجلها ليكونوا بذلك عبيدًا لربهم ويحقِّقوا معنى العبودية؛ وتحقيق العبودية هو الذي يقرِّب العباد إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ.

(( كما قال ـ تعالى ـ: {أيحسب الإنسان أن يُترك سُدًى} ) )يُخلق ويُترك هكذا مثل البهائم البُهْم لا يُأمر ولا ينهى، لا ثواب ولا عقاب؟؛ في هذا تشريفٌ للجنس البشري ـ أو للجن والإنس والملائكة ـ حيث شرّفهم الله ـ سبحانه وتعالى ـ بالأمر والنهي وترتيب الثواب على الأعمال الصالحة والعقاب تأديبًا لهم على غير الأعمال الصالحة في غير الملائكة ـ أي: في الجن والإنس ـ لأن الملائكة معصومون.

يقول ـ معنى {سدًى} ـ: (( أي: هَمَلًا، قال ) )الإمام (( الشافعي ـ رحمه الله ـ ) )في تفسير هذه الكلمة ـ معنى {سدًى} ـ: (( لا يُؤمر ولا يُنهى ) )الإنسان، (( وقال غيره: (( لا يُثاب ولا يعاقب، وهما تفسيران صحيحان ) )اختلاف لفظي.

(( فإنّ الثواب والعقاب مترتِّبان على الأمر والنهي، والأمر والنهي هو طلب العبادة وإرادتها ) )بالإرادة الشرعية؛ الإرادة الشرعية بمعنى: الطلب؛ هي تتّفق مع الأمر والمحبّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت