فهرس الكتاب
وحقيقة العبادة: [امتثالهما] ؛ ولهذا قال ـ تعالى ـ: {ويتفكّرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا} ، وقال ـ تعالى ـ: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} ، {وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كلُّ نفس بما كسبت} ؛ فأخبر الله ـ تعالى ـ أنه خلق السموات والأرض بالحق المتضمِّن أمره ونهيه وثوابه وعقابه.
فإذا كانت السموات والأرض إنما خلقتا لهذا ـ وهو غايةُ الخلق ـ فكيف يُقال إنه لا غاية له ولا حكمة مقصودة، أو إنّ ذلك بمجرّد استئجار العُمّال حتى لا يتكدّر عليهم الثواب بالمِنّة، أو لمجرد استعداد النفوس للمعارف العقلية وارتياضها لمخالفة العوائد [1] .
(1) قال الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ: (( وحقيقة العبادة [امتثالهما] ) )امتثال الأمر والنهي؛ إذًا: بهذا المعنى تتفّق مع التقوى: التقوى: امتثال الأمر والنهي؛ امتثال الأمر والنهي يؤدِّي إلى حقيقة العبادة التي هي غاية الحب مع غاية الذل؛ لا منافاة بين هذه التعريفات.
(( ولهذا قال ) )الله (( ـ تعالى ـ ) )في صفة الألباب: {ويتفكّرون في خلق السموات والأرض} قائلين: {ربنا ما خلقت هذا باطلًا} أي: بدون هدف وبدون غاية وبدون حكمة، وإنما خلقت ذلك لحكمة.
(( وقال ـ تعالى ـ: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} ) ). ولو كان خلقهما وما بينهما بلا حكمة يكون ذلك عبثًا، لا يكون خلقهما وما بينهما بالحق.
وقال ـ تعالى ـ: {وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كلُّ نفس بما كسبت وهم لا يُظلمون} . {ولتجزى كلُّ نفس بما كسبت} من خير أو شر، إشارة إلى الحكمة؛ {وهم لا يُظلمون} لأنهم إنْ أعطاهم وأثابهم على ما فعلوا بفضله وإن لم يوفِّقهم فعصوا وعُذِّبوا بعدله؛ إذًا: لا ظلم.
(( فأخبر الله ـ تعالى ـ أنه خلق السموات ولأرض بالحق المتضمِّن أمره ونهيه وثوابه وعقابه ) ). هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة.
(( فإذا كانت السموات والأرض إنما خلقتا لهذا وهو غاية الخلق فكيف يُقال إنه لا غاية له ولا حكمة له مقصودة ) )في خلق العباد وإنما هي لمجرّد الرياضة، أو أن ذلك لمجردّ استئجار العباد؛ يشير إلى عقيدة مَن؟، القدرية.
(( أو إن ذلك بمجرّد استئجار العُمّال حتى لا يتكدّر عليهم الثواب بالمنة ) )هذا المعنى تقدّم إنما شرع العبادة لتكون هذه العبادات أثمانًا للثواب التي يتحصّل عليها العباد، وإلا يكون ثوابهم يتكدّر بالمنّة بأن الله يَمَنُّ عليهم؛ سبحان الله!، إذا لم يَمَن الله على عباده من الذي يَمَن؛ والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ نفسه يمن (( الله ورسوله أمنّ ) )هذا جواب الأنصار السابقون الأولون.
(( أو لمجرّد استعداد النفوس للمعارف العقلية وارتياضها لمخالفة العوائد ) )وخروجها من العالم الحِسِّي كما تقوله الفلاسفة والمتصوِّفة المتفلسفة؛ كلُّ هذا الكلام باطل.