فهرس الكتاب
وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها فهي إنما تتحّقق باتّباع أمره واجتناب نهيه؛ فعند اتّباع الأمر والنهي تتبيّن حقيقة العبودية والمحبّة؛ ولهذا جعل
ـ سبحانه وتعالى ـ اتّباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - عَلَمًا عليها وشاهدًا لها كما قال
ـ تعالى ـ: {قل إنْ كنتم تحبُّون الله فاتّبعوني يحببكم الله} فجعل اتّباع رسوله مشروطًا بمحبّتهم لله ـ تعالى ـ وشرطًا لمحبة الله لهم؛ ووجود المشروط بدون تحقّق شرطه ممتنعٌ؛ فعُلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة للرسول.
ولا يكفي ذلك حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ [فمتى] كان عنده شيءٌ أحب إليه منهما فهو الإشراك الذي لا يغفره الله قال ـ تعالى ـ: {قل إنْ كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربّصوا حتى يأتيَ الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} .
وكلُّ من قدّم قول غير الله على قول الله أو حكم به أو حاكم إليه فليس ممّن أحبّه؛ لكن قد يشتبه الأمر على من يقدِّم قول أحد أو حكمه أو طاعته على قوله ظنًّا منه أنه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيطيعه ويحاكم إليه ويتلقّى أقواله كذلك فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك [1] .
(1) قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله ـ: (( فأصل العبادة محبة الله ) ). تقدّم غير مرّة بأن عرّف الإمام المقريزي عبادة الله بغاية الحب وغاية الذل، وهو المعروف، ولذلك قال: (( بل إفراده ـ تعالى ـ بالمحبة ) )لا تكفي المحبّة المشتركة، بل لا بد من إفراد الله ـ تعالى ـ بالمحبّة.
(( فلا يحب معه سواه ) ). (( معه ) )بهذا القيْد؛.
(( وإنما يحب ما يحبّه ) )ومن يحبه (( لأجله وفيه ) ). (ما) لغير العاقل؛ وإنما يحب ما يحبه من الإيمان والعمل الصالح، ومن يحبه من الصالحين كالأنبياء لأجله ـ تعالى ـ وفيه
ـ وفي الله ـ المعنى واحد.
(( كما يحب أنبيائه ورسله وملائكته ) )والصالحين من عباده.
(( لأنّ محبتهم ) )أي: محبة هؤلاء (( من تمام محبّته ) )ـ تعالى ـ؛ لأنه إنما أحبهم لله وفي الله، أي: لَمّا علم أنهم من أحبابه ومن أوليائه ومن الذين يحبون الله أحبهم.
(( وليستْ ) )محبة الأنبياء والرسل والصالحين (( كمحبة من اتّخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحبه ) )ـ تعالى ـ؛ إذًا: هناك فرق بين الحب في الله والحب مع الله: الحب في الله ولله ولأجل الله من أعظم العبادات شُعبة عظيمةٌ من شعب الإيمان وهي من محبة الله، أما الحب مع الله: أن تتّخذ شريكًا ونِدًّا تحبُّه كما تحبُّ الله وتخافه كما تخاف الله وترجوه، وربما تمنحه بعض صفات الله كعلم الغيب وعلم ما في الصدور هذا من الشرك الأكبر؛ انظروا الفرق الكبير بين المحبتين؛ محبةٌ هي إيمانٌ بالله ومن محبة الله هي: الحب في الله والحب لأجل الله، ومحبة هي: من الشرك الأكبر: الحب مع الله، أن تجعل مخلوقًا نِدًّا لله تحبه كما تحب الله.
ثم قال الإمام المقريزي: (( وإذا كانت المحبة له ) )المحبة لله ـ سبحانه ـ (( هي حقيقة عبوديّته وسرها ) )لأنه من شدّة محبته لله ـ تعالى ـ أحبّ لله وأحبّ في الله.
(( فهي إنما تتحّقق باتّباع أمره واجتناب نهيه ) ). محبة الله ـ تعالى ـ كذلك محبة من يحب الله إنما تتحقّق باتّباع أمره واجتناب نهيه.
(( فعند اتّباع الأمر والنهي تتبيّن حقيقة العبودية والمحبّة ) ). وهذا هو المِحْور وهو محلُّ اختبار، يختبر العبد نفسه أمام أمر الله ونهي الله: إنْ كان صادقًا في محبّة الله ـ تعالى ـ سهُل عليه امتثال أمره واجتناب نهيه وإلاّ يكون دعيًّا في دعوى المحبة.
(( ولهذا: جعل ـ سبحانه وتعالى ـ اتّباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - عَلَمًا ) )أي: علامةً (( عليها ) )على محبة الله ـ تعالى ـ (( وشاهدًا لها ) )وفي ذلك رفعٌ لمكانة رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبيان فضله، وأن اتّباعه وطاعته من محبّة الله ـ تعالى ـ ومن طاعة الله.
(( كما قال ـ تعالى ـ: {قل إنْ كنتم تحبون الله فاتّبعوني يحببكم الله} ) ).
{قل} يا محمد لقوم زعموا أنهم يحبون الله ويعظِّمونه ويعظِّمون شرعه ودينه قل لهم: {إن كنتم تحبون الله} حقًّا وصدقًا {فاتّبعوني يحببكم الله} .
(( فجعل ) )الرب ـ سبحانه وتعالى ـ (( اتّباع رسوله ) )ـ عليه الصلاة والسلام ـ (( مشروطًا بمحبّتهم لله ـ تعالى ـ ) )إن كانوا صادقين في محبّتهم لله ـ تعالى ـ فليتّبعوا رسوله.
(( و ) )جعله (( شرطًا لمحبة الله لهم ) )جعل اتّباع الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يتوقّف عليه أمران: محبة الله لعباده ومحبة العباد لربهم.
(( ووجود المشروط ) )الذي هو محبة الله (( بدون تحقُّق شرطه ) )اتّباع رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ (( ممتنع ) ).
(( فعُلم انتفاء المحبة ) )انتفاء محبة الله (( عند انتفاء المتابعة للرسول ) )- صلى الله عليه وسلم -. اكتب في الهامش: (فالخُلاصة: إنه يستحيل ثُبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك: يتنافى والإيمان) .
ليتّضح هذا المعنى: إنّ دعوى من يدّعي الإيمان بالله وتعظيم الله وأنّ الله يحبه ويُكرمه ولو أكرمه بالعطاء في هذه الدنيا إن لم يوفَّق إلى محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو مستدَرج الله استدرجه ليزيد في عذابه وعقوبه؛ لذلك: لا ينبغي أن يغترّ الإنسان بما ينعم الله به عليه مع مخالفته لاتّباع رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ فهو مبتدع يحاول أن يتقرّب إلى الله بالأعمال المبتَدَعة، ومع ذلك الله يفتح عليه ويوسِّع عليه ويستر عليه فيحسب أنه على هدًى؛ وهذا امتحان، فهو غير مؤمن وغير صادق في محبة الله ـ تعالى ـ؛ ودعوى أن الله يحبه ويُكرمه ـ وليس ذلك بإكرام ـ تقدّم شيءٌ من هذا فيما تقدّم.
(( ولا يكفي ذلك ) )لا يكفي إثبات محبة الله ـ تعالى ـ للعبد وإثبات محبة العبد لربه، إثبات ذلك باتّباع الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يكفي (( حتى يكون الله ورسوله أحب إليه ممّا سواهما ) )أي: لا تكفي المحبّة العاديّة من الطرفين حتى يكون الله ورسوله أحب إليه ممّا سواهما بأن يقدِّم أوامر الله وأوامر رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ على هوى نفسه وعلى أمر غيره وعلى نهي غيره كائنًا مَنْ كان، نفسه وأهله ووالده وشيخه أوامر كلُّ هؤلاء كلهم تأتي بعد أوامر الله ـ تعالى ـ وأوامر رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ لذلك يُعتبر أنه أحبّ الله وأحبّ رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ أكثر من نفسه وأهله وماله.
(( ومتى كان عنده شيءٌ أحبّ إليه منهما ) )من الله ورسوله.
(( فهو الإشراك الذي لا يغفره الله ) )أي: إذا قدّم غير الله على الله وعلى رسوله
ـ عليه الصلاة والسلام ـ في المحبة أشرك بالله الشرك الأكبر شركًا في العبادة وشركًا في المتابعة.
(( قال ـ تعالى ـ: {قل إنْ كان آباؤكم وأنباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها} ) )أي: اكتسبتموها {وتجارةٌ تخشون كسادها} عدم الربح {ومساكن ترضونها} تحبونها {أحب إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربّصوا حتى يأتيَ الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} والآية ـ كما تعلمون ـ نزلت عندما كانت الهجرة شرطًا في الإيمان؛ في أول الإسلام لا يُقبل الإسلام من أهل مكة ممّن أسلموا بمكة حتى يهاجر؛ لَمّا دُعوا إلى الهجرة امتحنهم الله بأولادهم وأموالهم وأقاربهم، قالوا للضَّياع نضيع، فرقُّوا لهم، وتأخروا عن الهجرة، تركوا الهجرة فجلسوا، فالله عاتبهم: {يأيها الذين آمنوا لا تتّخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إنِ استحبوا الكفر على الإيمان} ؛ البقاء في مكة وترك الهجرة ومخالفة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ في دعوته إلى الهجرة يُعتبر كفرًا، {ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون} من يتولّ أولاده وأهله وإخوانه وأقاربه تاركًا لله ورسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومعرِضًا عن الهجرة يُعتبر من الظالمين؛ ثم قال: {إنْ كان آباؤكم ... } إلى آخر الآية: إنْ كان الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة هذه {الأشياء أحب إليكم من الله ورسوله} نتيجة ذلك: عدم الإيمان، انتظروا العقوبة من الله.
والآية ـ وإنْ كان السبب هو هذا ـ لكن العبرة ـ كما يقولون ـ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ أيُّما يقدِّم هواه ورضاه ورضى أهله وأولاده ومشايخه على رضى ربه واتّباع رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ والآية تشمله.
إذًا: من الإيمان: أن يقدَّم أحدٌ على الله وعلى رسوله؛ حتى من الناحية العقلية والفِطْرية معقولة؛ كيف يقدِّم الإنسان رضى غيره رضى مخلوق ما على رضى رب العالمين ويدّعي مع ذلك الإيمان بالله؟، وكيف يقدِّم طاعة إنسان غير معصوم بشر مثله غير معصوم على طاعة معصوم طاعته من طاعة الله ومحبّته من محبة الله وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟؛ إذًا الموقف مستنكَر شرعًا وعقلًا وفطرة.
ولذلك قال الإمام المقريزي: (( وكلُّ من قدّم قول غير الله على قول الله أو حكم به ) )بقول غير الله (( أو حاكم إليه ) )حكم به فهو الحاكم القاضي أو حاكم إليه مؤمنًا بأنه صدٌ وحكم (( فليس ممّن أحبه ) )ـ سبحانه وتعالى ـ ورسوله.
كذلك: لا فرق بين أن يقدِّم قول غير الله على قول الله أو على قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ الحكم حكم من يقدِّم قول غير الله حكم من يقدِّم قول غير رسول الله عليه الصلاة والسلام على قول رسول الله حكم من يقدِّم قول غير الله على قول الله لا فرق بينهما؛ كما أن طاعته من طاعة الله ـ تعالى ـ كذلك لا يجوز تأخير حكمه أو تأخير قوله وتقديم قول غيره وحكم غيره على قوله وحكمه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأنه إنما يبلِّغ عن الله لأنه لا ينطق عن الهوى.
انتبهوا للمسألة الآتية: (( لكن قد يشتبه الأمر على من يقدِّم قول أو حكمه أو طاعته على قوله ) )ـ تعالى ـ أو قول رسوله - صلى الله عليه وسلم - (( ظنًّا منه أنه ) )أنَّ هذا المقدَّم (( لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيطيعه ويحاكِم إليه، ويتلقّى أقواله كذلك فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك ) ). هذه مسألة عظيمة ينبغي فهمها: شخص يُحسن الظنّ بإمام من الأئمّة وبعالم من العلماء بحيْث يعتقد أنه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطاعه وتحاكم وتلقّى أقواله ويعبد الله بأقواله ويسير على أقواله وأفعاله ويتأسّى به ويقتدي به تمامًا بهذا الظن يكون هذا معذورًا إنْ لم يقدر على غير ذلك؛ وهذا ينطبق على كثيرٍ من عوام المسلمين ـ أو شبه العوام ـ الذين يحسنون الظن بإمام من الأئمة الأربعة ـ مثلًا ـ فيعتقد أنّ الإمام الفلاني ما يقوله لا يخالف قول الله وقول رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ لأنه إمامٌ ثقة لا يأمر ولا ينهى ولا يقول شيئًا إلا ما قال الله وقال رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ هذا ظنه، لا يعلم أكثر من هذا؛ ولم يعلم بأن الإنسان البشري لا يصل إلى هذه الدرجة ما لم يكن رسولًا. إنْ كان بهذه المثابة يُعذر.
هل يُعذر في الأحكام الفقيهة فقط أو حتى في الأصول في العقيدة في توحيد العبادة كالذي يزيِّن له شيخه وهو يُحسن به الظن ويقول الذبح للمشاهد والنذر لهم من محبة الصالحين وليس من الشرك في شيء؛ وهو عالمٌ عنده يحسن به الظن؛ فيؤوِّل له بعض نصوص الصفات فيتّبعه؛ يقول: هذا عالم إمام ـ الإمام النووي، والإمام ابن حجر ـ كيف لا يُتّبع كيف لا يصدَّق من أهل الحديث، حافظ لا يقول إلا ما قال الله وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ هذا اعتقاده فارغ الذهن ليس عنده إلا هذا الاعتقاد وهذا الظن الحسن.
يرى: إن هذا معذور؛ وهذا ينطبق على مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كرّره في غير موضع من كتبه، وأنّ هذا الإنسان الذي لم يتبيّن له الحق ولم يشاقق الله ولا رسوله بعد تبيُّن الحق، بل يحسب أن هذا هو الحق ينبغي أن يُعذر حتى يقدر أن يصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويفهم منه فيخالفه بعد ذلك.
لذلك قال: