الصفحة 79 من 111

هَوَايَ معَ الرَّكْبِ اليَمَانِينَ مُصْعِدٌ * جَنِيبٌ وجُثْمَانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ

قدْ مَرَّ شرْحُ هذا الشعْرِ في بحْثِ الْمُضافِ إلى الْمَعْرِفةِ، فليسَ الغَرَضُ منْ هذا البيتِ الإخبارَ، بلْ إنشاءَ التأسُّفِ وإظهارَ التحَزُّنِ والتَحَسُّرِ على مُفَارَقَةِ المحبوبِ اللازمِ للإخبارِ بها، فوَقَعَ استعمالُ هذا الإخبارِ في غيرِ الموضوعِ لهُ لعَلاقةِ اللزومِ لا لعَلاقةِ المشابَهَةِ، فصارَ مَجازًا مرَكَّبًا مُرْسَلًا.

وإنْ كانت عَلاقتُه المشابَهَةَ، سُمِّيَ استعارةً تَمْثيليَّةً، أمَّا التسميةُ بالاستعارةِ فظَاهِرَةٌ، وأمَّا النِّسبةُ إلى التمثيلِ؛ فلأنَّ التشبيهَ الذي يُبْتَنَى عليهِ هذا القِسمُ من الْمَجَازِ الْمُرَكَّبِ لا يكونُ إلَّا تمثيلًا، وهوَ ما يكونُ وجْهُه مُنْتَزَعًا منْ مُتَعَدِّدٍ كما مَرَّ في بحثِ التشبيهِ، كما يُقالُ للْمُتَرَدِّدِ في أمْرٍ: (أَراكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى) ، فَشَبَّهَ الصورةَ العقليَّةَ الحاصلةَ منْ تَرَدُّدِه في هذا الأمْرِ بالصورةِ الْحَيَّةِ الحاصلةِ منْ تَرَدُّدِ مَنْ قامَ ليَذْهَبَ، فيُقَدِّمُ رِجْلًا تارةً لإرادةِ الذَّهابِ، ويُؤَخِّرُ أخرى لعَدَمِ إرادتِه، ووجْهُ الشبَهِ بينَ الصورةِ المُشَبَّهةِ والصورةِ المُشَبَّهةِ بها ما يُعْقَلُ من الهيئةِ التي هيَ كونُ كلِّ واحدٍ منهما مُتَّصِفًا بِمُطْلَقِ الإقدامِ على أمْرٍ مَرَّةً، والكفِّ عنهُ أُخْرَى، ثمَّ لَمَّا اعْتُبِرَ التشبيهُ بينَ الصورتينِ في هذا الوجهِ استُعِيرَ الكلامُ الموضوعُ للصورةِ الثانيةِ المُشَبَّهِ بها للصورةِ الأُولى المُشَبَّهةِ؛ مبالَغةً في التشبيهِ لهُ وادِّعاءً لدخولِ الصورةِ العقليَّةِ في جِنسِ الصورةِ الْحِسِّيَّةِ. ومثلُ هذا الكلامِ في كونِه استعارةً تَمثيليَّةٍ سائرُ الأمثالِ السائرةِ؛ لأنَّها ليستْ إلَّا الْمَجَازاتِ الْمُرَكَّبَةِ الفاشِيَةِ الاستعمالِ التي تُسْتَعْمَلُ على حَسَبِ الاستعارةِ التمثيليَّةِ. وهذا تفصيلٌ لما وَقَعَ في الحاشيةِ حيثُ قالَ: (ويُقالُ في إجراءِ الاستعارةِ شَبَّهْنَا .... إلخ) .

الْمَجَازُ العقليُّ

هوَ إسنادُ الفعْلِ أوْ إسنادُ ما: أيْ لفظٍ هوَ في معناهُ، كاسمِ الفاعلِ، واسمِ المفعولِ، والصفةِ المُشَبَّهَةِ، واسمِ التفضيلِ. إلى غيرِ ما هوَ لهُ: أيْ إلى غيرِ شيءِ ذلكَ الفعْلِ أوْ معناهُ مَبْنِيٌّ لهُ، يعني غيرَ الفاعلِ في الْمَبْنِيِّ للفاعلِ، وغيرِ المفعولِ بهِ في الْمَبْنِيِّ للمفعولِ. ولكنَّ المرادَ بذلكَ الغيرِ ليسَ ما هوَ غيرٌ في الواقعِ، ولا ما هوَ غيرٌ عندَ المتكلِّمِ في الحقيقةِ، بلْ ما هوَ غيرٌ عندَ التكلُّمِ في الظاهِرِ، أيْ فيما يُفْهَمُ منْ ظاهِرِ حالِه باعتبارِ نَصْبِه قرينةً على أنَّهُ غيرُ ما هوَ لهُ في اعتقادِه، ولكنْ لا مُطْلَقًا، بلْ لعَلاقةٍ بيْنَ ذلكَ الغيرِ وبيْنَ ما هوَ لَهُ، وإنَّما نُسِبَ هذا الْمَجَازُ إلى العَقْلِ، وسُمِّيَ مَجازًا عقْلِيًّا؛ لأنَّ تَجاوُزَهُ مَحَلَّه إنَّما هوَ بتَصَرُّفِ العقْلِ وعمَلِه منْ دونِ مَدْخَلِيَّةِ اللغةِ. بخلافِ الْمَجَازِ اللُّغويِّ فإنَّ تَجاوُزَه إيَّاهُ؛ لأنَّ الواضِعَ جَعَلَ مَحَلَّهُ غيرَ هذا المعنى، ولهذا يَصيرُ: (أَنْبَتَ الربيعُ الْبَقْلَ) ، من الْمُوَحَّدِ مَجازًا، ومن الدهريِّ حقيقةً؛ لتَفَاوُتِ عَمَلِ عَقْلِهِما لا لتَفَاوُتِ الوَضْعِ عندَهم، نحوَ قولِه: (أَشَابَ الصغيرَ) ، أيْ: أَوْجَدَ الشَّيْبَ في الصغيرِ، (وأَفْنَى الكبيرَ) ، أيْ: أَوْجَدَ الفَنَاءَ في الكبيرِ، (كَرُّ الغَدَاةِ) ، أيْ: رُجُوعُها بعدَ ذهابِها، (ومَرُّ العَشِيِّ) ، أيْ: ذهابُها بعدَ حضورِها، والمرادُ بهما تعاقُبُ الأزمانِ؛ فإنَّ إسنادَ الإشابةِ والإفناءِ إلى كَرِّ الغَدَاةِ ومُرورِ العَشِيِّ إسنادٌ إلى غيرِ ما هوَ لهُ؛ إذ الْمُشِيبُ والْمُفْنِي في الحقيقةِ هوَ اللَّهُ تعالى، هذا مِمَّا لا شُبْهَةَ فيهِ، لكنَّ الثابتَ بهذا ليسَ إلَّا كونُ هذا الإسنادِ لغيرِ ما هوَ لهُ بِحَسَبِ الواقعِ، لا لغيرِ ما هوَ لهُ بحسَبِ اعتقادِ المتكلِّمِ؛ لاحتمالِ أنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت