فهرس الكتاب
قائلَه دَهْرِيٌّ يَعتقِدُ تأثيرَ الزمانِ، فلا يُحْمَلُ هذا على الْمَجَازِ ما لم يَعْمَلْ بقرينةِ إنَّ قائلَهُ لم يَعتقِدْ ظاهِرَهُ، فإنَّهُ لوْ لمْ تكُنْ قرينةٌ على إرادةِ خِلافِ الظاهِرِ كانَ الإسنادُ حقِيقِيًّا؛ لكونِه إسنادًا إلى ما هوَ لهُ عندَ المتكلِّمِ في الظاهِرِ.
ومن الْمَجَازِ العقليِّ إسنادُ ما بُنِيَ للفاعلِ إلى المفعولِ، نحوَ: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} ، فإنَّ الراضيةَ مَبْنِيَّةٌ للفاعلِ، وأُسْنِدَتْ إلى ضميرِ المفعولِ به وهوَ عِيشةٌ؛ لأنَّها مَرْضِيَّةٌ، والراضِي إنَّما هوَ صاحبُها.
وعكسُه، أيْ إسنادُ ما بُنِيَ للمفعولِ إلى الفاعلِ، نحوَ: سيلٌ مُفْعَمٌ، بفتْحِ العينِ، أيْ: مَمْلُوءٌ، يقالُ: أَفْعَمْتُ الإناءَ مَلَأْتُه، فالْمُفْعَمُ مَبْنِيٌّ للمفعولِ وأُسْنِدَ إلى ضميرِ الفاعلِ وهوَ السيلُ؛ لأنَّهُ الْمَالِي، والمملوءُ إنَّما هوَ الوادِي.
والإسنادُ، أيْ إسنادُ ما بُنِيَ للفاعلِ إلى المصدَرِ، نحوَ: جَدَّ جِدُّه، فإنَّ الْجِدَّ مَصْدَرٌ أُسْنِدَ إليه الفعْلُ المبنيُّ للفاعلِ.
وإسنادُ ما بُنِيَ للفاعلِ إلى الزمانِ، نحوَ: نهارُه صائمٌ؛ فإنَّ النهارَ مَصُومٌ فيهِ وزمانٌ للصوْمِ، وقدْ أُسْنِدَ إليه الصائمُ الذي بُنِيَ للفاعلِ.
وإسنادُ ما بُنِيَ للفاعلِ إلى المكانِ، نحوَ: نَهْرٌ جارٍ، فالجاري هوَ الماءُ، والنهْرُ مكانٌ لجرَيَانِه.
وإسنادُ ما بُنِيَ للفاعلِ إلى السبَبِ، نحوَ: بَنَى الأميرٌ المدينةَ، فإنَّ الأميرَ الذي أُسْنِدَ إليهِ الفعْلُ سببٌ آمِرٌ للبناءِ، والبانِي حقيقةً هوَ العَمَلَةُ.
ويُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ منْ تعريفِ قِسْمَي الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ والعَقْلِيِّ أنَّ الْمَجَازَ اللُّغَوِيَّ يكونُ في اللفظِ، والْمَجَازَ العَقْلِيَّ يكونُ في الإسنادِ الذي هوَ أمْرٌ يُدْرَكُ بالعقْلِ.
الكنايةُ
هيَ في اللغةِ: تَرْكُ التصريحِ بشيءٍ؛ لأنَّهُ مَصْدَرُ كَنَّيْتَ بكذا عنْ كذا، إذا تَرَكْتَ التصريحَ بهِ. وفي الاصطلاحِ: لفظٌ أُرِيدَ بهِ لازِمُ معناهُ معَ جوازِ إرادةِ ذلكَ المعنى معَ ذلكَ اللازمِ، بخلافِ الْمَجَازِ فإنَّهُ وإنْ شارَكَ الكنايةَ في مُطْلَقِ إرادةِ اللازمِ بهِ لكِنْ لا يَجُوزُ معهُ إرادةُ المعنى الحقيقيِّ، وذلكَ الافتراقُ منْ جهةِ أنَّ الكِنايةَ لا تَصْحَبُها قرينةٌ مانِعةٌ منْ إرادةِ المعنى الحقيقيِّ، والْمَجَازَ لا بُدَّ أنْ تَصْحَبَهُ قرينةٌ مانِعةٌ منْ إرادةِ المعنى الأصليِّ، نحوَ: طويلُ النِّجَادِ، وهوَ حَمَائِلُ السيفِ، إذا أُطْلِقَ وأُرِيدَ بهِ لازِمُ معناهُ، أيْ: طويلُ القامَةِ، معَ جوازِ إرادةِ حقيقةِ طُولِ النِّجَادِ أيضًا بأنْ لا تُوجَدَ قرينةٌ تَمْنَعُ مِنْ إرادةِ نَفْسِ معنى طُولِ النِّجادِ.
وتَنْقَسِمُ الكنايةُ باعتبارِ الْمَكْنِيِّ عنهُ، أي الذي يُطْلَبُ الانتقالُ من المعنى الأصلِيِّ إليه، ويُقْصَدُ إفهامُه بطريقِ الكنايةِ، إلى ثلاثةِ أقسامٍ؛ لأنَّهُ إمَّا أنْ يكونَ صفةً من الصفاتِ، أوْ يكونَ نِسْبَةَ صفَةٍ لموصوفٍ، أوْ لا يكونَ صفةً ولا نِسبةً، بلْ موصوفًا.