الصفحة 81 من 111

الأوَّلُ: كنايةٌ يكونُ الْمَكْنِيُّ عنهُ فيها صفةً، أيْ معنًى قائمًا بالغيرِ، كالجُودِ والكَرَمِ وطُولِ القامَةِ، لا خصوصَ النعْتِ النَّحْويِّ. وهذا القِسمُ ضَرْبَانِ: قريبةٌ وبعيدةٌ؛ لأنَّ الانتقالَ منها إلى الْمَكْنِيِّ عنهُ الذي هوَ الصفةُ إنْ لمْ يكُنْ بواسطةٍ فقريبةٌ، وإنْ كانَ بواسطةٍ فبعيدةٌ. ثمَّ لَمَّا كانَ معنى القرْبِ ههنا عَدَمَ الواسِطَةِ لا نَفْيَ الْخَفَاءِ أَمْكَنَ أنْ يكونَ المعنى الْمَكْنِيُّ عنه خَفِيًّا بالنِّسبةِ إلى الأصْلِ، وأنْ يكونَ واضحًا، فانْقَسَمَت القريبةُ إلى واضِحَةٍ وخَفِيَّةٍ، فكانت الأقسامُ لهذا القِسمِ ثلاثةً، وقد اجْتَمَعَتْ في المثالِ الذي ذَكَرَه بقولِه: كقولِ الْخَنساءِ:

طويلُ النِّجَادِ رفيعُ العِمَادِ * كثيرُ الرَّمَادِ إذا ما شَتَا

فإنَّها تُريدُ منْ طويلِ النِّجادِ بطريقِ الكِنايةِ القريبةِ الواضحةِ أنَّهُ طويلُ القامَةِ، إذْ لا شَكَّ أنَّ طُولَ النِّجادِ اشْتُهِرَ استعمالُهُ عُرْفًا في طُولِ القامَةِ بحيثُ يُفْهَمُ منهُ بلا تَكَلُّفٍ، وبلا احتياجٍ إلى واسطةٍ، فكانتْ واضحةً قريبةً. وتريدُ منْ رفيعِ العِمادِ بطريقِ الكنايةِ القريبةِ الخفيَّةِ أنَّهُ سَيِّدٌ، فإنَّ رَفيعَ العِمادِ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بهِ على السِّيادةِ ويُنْتَقَلُ منهُ إليها، لكنْ في هذا الانتقالِ نوعُ خفاءٍ يَزُولُ بالتأمُّلِ منْ غيرِ احتياجٍ إلى وَسَطٍ، فكانت قريبةً خَفِيَّةً. وتُريدُ منْ كثيرِ الرَّمَادِ بطريقِ الكنايةِ البعيدةِ أنَّهُ كريمٌ؛ لأنَّ الانتقالَ منْ كثرةِ الرَّمادِ إلى الكَرَمِ يَحتاجُ إلى وسائِطَ كثيرةٍ كما ستَعْلَمُ منْ كلامِ المصَنِّفِ، فكانتْ هذه الكنايةُ بعيدةً.

ثمَّ هذه الكِناياتُ إنَّما كانت كِناياتٍ عن الصفةِ لا عن النِّسبةِ؛ لأنَّ النِّسبةَ ههنا مُصَرَّحٌ بها، فهيَ ليست مقصودةً بالكنايةِ، وإنَّما المقصودُ بالذاتِ الوَصْفُ، فكانَ الْمَكْنِيُّ عنهُ في هذه الكناياتِ الصفةَ.

والثاني: كنايةٌ يكونُ الْمَكْنِيِّ عنهُ فيها نِسبةً، أيْ نِسبةَ الصفةِ للموصوفِ، نحوَ: الْمَجْدُ بينَ ثَوْبَيْهِ، والكرَمُ تحتَ ردائِه. فإنَّ إثباتَ الْمَجْدِ والكرَمِ لِمَا يُحيطُ بالممدوحِ ويَشْتَمِلُ عليهِ، وهوَ الثوبُ، كنايةٌ عنْ إثباتِهما لذاتِ الممدوحِ، فكانَ الْمَكْنِيُّ عنه فيها نِسبةَ الْمَجْدِ والكرَمِ إليه لا نفْسَ المجدِ والكرَمِ؛ لأنَّهُما مذكورانِ صريحًا، فلا تُريدُ أنْفُسَهما بطريقِ الكنايةِ، بلْ تريدُ نِسبةَ الْمَجْدِ والكَرَمِ إليه، فكانَ المكنيُّ عنهُ فيها النِّسبةَ.

والثالثُ: كنايةٌ يكونُ الْمَكْنِيُّ عنهُ فيها غيرَ صفةٍ ولا نِسْبَةٍ، بلْ نفْسَ الموصوفِ، كقولِه: (الضَّارِبِينَ) ، أيْ: أَمْدَحُ الضاربينَ، (بكلِّ أبيضَ) ، أيْ: بكلِّ سيفٍ أبيضَ، (مُخْذِمِ) ، بضَمِّ الميمِ وسكونِ الخاءِ وكسْرِ الذالِ، أي: القاطعِ، و (الطاعنينَ) ، أيْ: وأَمْدَحُ الطاعنينَ الضاربينَ بالرمْحِ، (بِمَجامعِ الأضغانِ) ، المجامِعُ: جمْعُ مَجْمَعٍ، وهوَ اسمُ مكانٍ من الجميعِ، والأضغانُ جَمْعُ ضِغْنٍ، وهوَ الْحِقْدُ؛ فإنَّهُ كَنَّى بمجامِعِ الأضغانِ التي هيَ مُخْتَصَّةٌ بالقلوبِ، إذْ لا تَجْتَمِعُ الأضغانُ في غيرِها، عن القلوبِ، فكانت الكنايةُ ههنا مِمَّا يكونُ المكنِيُّ عنه فيهِ الموصوفَ لا الصفةَ ولا النِّسبةَ؛ لأنَّهُما مذكورتانِ صراحةً فلا يُطْلَبانِ بالكنايةِ.

والكنايةُ إنْ كَثُرَتْ فيها الوسائطُ في الانتقالِ منها إلى الْمَكْنِيِّ عنهُ سُمِّيَتْ تلويحًا؛ لأنَّ كثرةَ الوسائطِ يُوجِبُ بُعدَ الإدراكِ غالبًا، والتلويحُ في الأصْلِ أنْ يُشارَ إلى الشيءِ منْ بُعدٍ، نحوَ: هوَ كثيرُ الرمادِ، أيْ كريمٌ، فكثرةُ الرَّمَادِ كنايةٌ عن الكرَمِ بوسائطَ كثيرةٍ؛ فإنَّ كثرَةَ الرَّمادِ الْمُكَنَّى بهِ تَستلزِمُ كثرةَ الإحراقِ ضرورةَ أنَّ الرمادَ لا يَكثُرُ إلَّا بكثرةِ الإحراقِ، وكثرةُ الإحراقِ تَستلزِمُ كثرةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت