الصفحة 82 من 111

الطَّبْخِ والخبْزِ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ الإحراقَ لفائدةِ الطبْخِ والخبزِ، وكثرتُهما تَستلزِمُ كثرةَ الآكِلِينَ؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ المطبوخَ إنَّما يُطْبَخُ ليُؤْكَلَ، وهيَ، أيْ كثرةُ الآكِلِينَ، تَستلزِمُ كَثْرَةَ الضِّيفانِ، إذ الغالِبُ أنَّ كَثْرَةَ الآكلِينَ إنَّما تكونُ من الأضيافِ لا من العِيالِ، وكثرةُ الضِّيفانِ تَستلزِمُ الكرَمَ الذي هوَ الْمَكْنِيُّ عنهُ.

وإنْ قَلَّتِ الوسائطُ فيها وخَفِيَتْ في اللزومِ سُمِّيَتْ رَمْزًا؛ لأنَّ الرمْزَ في الأصْلِ أنْ تُشيرَ إلى قريبٍ منكَ معَ خَفاءِ الإشارةِ، كالإشارةِ بالشَّفَةِ أو الحاجِبِ، نحوَ: هوَ سَمِينٌ رِخْوٌ، أيْ غَبِيٌّ بَلِيدٌ، فيُكَنَّى عنْ كونِه غَبِيًّا بليدًا بكونِه سَمِينًا رِخْوًا، بواسطةِ أنَّ السِّمَنَ والرِّخْوَ يَستلزِمانِ في الغالِبِ استرخاءَ الْقُوَى الذهنِيَّةِ وسكونَها، وهما يَستلزِمانِ الْغَباوةَ والبَلادَةَ، لكنَّ هذا الاسْتِلْزَامَ ليسَ بواضحٍ، فقدْ تَحَقَّقَ في هذه الكنايةِ واسِطَةٌ واحدةٌ خَفِيَّةٌ.

وإنْ قَلَّتْ فيها الوسائطُ أوْ لمْ تكُنْ، أي: انْعَدَمَتْ بالكلِّيَّةِ، ووَضَحَتْ معَ قِلَّتِها في اللزومِ، سُمِّيَتْ إيماءً وإشارةً؛ لأنَّ أصْلَ الإشارةِ أنْ تكونَ حِسَّيَّةً، وهيَ ظاهِرَةٌ. ومثلُها الإيماءُ، نحوَ: (أَوَمَا رَأَيْتَ الْمَجْدَ أَلْقَى رَحْلَهُ) : أي: الْخَيْمَةَ أوْ أثاثَ السفَرِ، (في آلِ طَلْحَةَ ثمَّ لم يَتَحَوَّلِ) ، أيْ: لمْ يَرْتَحِلْ عنهمْ إلى غيرِهم، فإلقاءُ الْمَجْدِ الرَّحْلَ في آلِ طَلْحَةَ بلا تَحَوُّلٍ عنهم كنايةٌ عنْ كونِهم أَمْجادًا بواسِطَةِ أنَّ الْمَجْدَ صفةٌ لا بُدَّ لهُ عنْ موصوفٍ يقومُ بهِ، وهوَ آلُ طَلْحَةَ، لعَدَمِ وِجدانِ غيرِهم معهُم، وهذهِ واسطةٌ واحدةٌ مَبْنِيَّةٌ بنفسِها، فهيَ كنايةٌ قَلَّتْ فيها الوسائِطُ معَ الظهورِ.

وهناكَ نوعٌ من الكنايةِ يَعْتَمِدُ في فَهمِه على السياقِ والقرائنِ يُسَمَّى تعريضًا، وهوَ إمالةُ الكلامِ وتوجيهُه إلى عُرْضٍ، بالضَّمِّ، أيْ ناحيةٍ وجانبٍ، يَدُلُّ على المقصودِ بالسياقِ والقرائِنِ، كقولِك لشخْصٍ يَضُرُّ الناسَ: (خيرُ الناسِ مَنْ يَنْفَعُهُم) ، فمعناهُ الصريحُ حَصْرُ الخيريَّةِ في مَنْ يَنْفَعُ الناسَ، ويُفْهَمُ منْ سياقِه نفيُ الخيريَّةِ عمَّن يَضُرُّ الناسَ، وهذا هوَ المعنى الكِنائيُّ الذي فُهِمَ منْ سِياقِ الكلامِ، هذا واللَّهُ سبحانَه وتعالى أَعْلَمُ.

البديعُ في اللغةِ: الغريبُ، منْ بَدُعَ الشيءُ بضَمِّ الدالِ إذا كانَ غايةً فيما هوَ فيهِ منْ عِلْمٍ أوْ غيرِه حتَّى صَارَ غريبًا فيهِ لطيفًا، وفي الاصطلاحِ: عِلْمٌ يُعْرَفُ بهِ وجوهُ تحسينِ الكلامِ المطابِقِ لِمُقْتَضَى الحالِ، أيْ يُعْرَفُ بهِ الأمورُ التي يَصِيرُ بها الكلامُ حَسَنًا، لكِنْ لا مُطْلَقًا، بلْ إذا كانَ ذلكَ الكلامُ مُطابِقًا لِمُقْتَضَى الحالِ؛ فإنَّ هذهِ الوجوهَ إنَّما تُعَدُّ مُحَسِّنَةً للكلامِ بعدَ رعايةِ مُطَابقتِه لِمُقْتَضَى الحالِ، وإلَّا كانتْ تلكَ الوجوهُ كتعليقِ الدُّرَرِ في أعناقِ الخنازيرِ، وهذهِ الوجوهُ نوعانِ:

الأوَّلُ: ما يَرْجِعُ منها إلى تحسينِ المعنى، بأنْ يكونَ القَصْدُ منها تحسينَ المعنى أَوَّلًا وبالذاتِ، وإنْ كانَ قدْ يُفيدُ بعضُ تلكَ الوجوهِ تحسينَ اللفظِ أيضًا، لكِنَّ القَصْدَ الأصليَّ منها إنَّما هوَ إلى كونِها مُحسِّنَةً للمعنى، ولهذا يُنْسَبُ هذا النوعُ إلى المعنى بأن يُسَمَّى بالمحسِّناتِ المعنويَّةِ.

والثانِي: ما يَرْجِعُ منها إلى تحسينِ اللفظِ، ويُنْسَبُ إليهِ بأنْ يُسَمَّى بالمُحَسِّنَاتِ اللفظيَّةِ؛ لكونِ المقصودِ منها تحسينَ اللفظِ بالذَّاتِ، وإنْ تَبِعَ ذلكَ تحسينُ المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت