الصفحة 83 من 111

ثمَّ لَمَّا كانَ المقصودُ الأصليُّ هوَ المعاني، والألفاظُ توابِعُ وقوالِبُ لها، كانَ الاهتمامُ بالوجوهِ الْمُحَسِّنَةِ لها أَوْلَى من الاهتمامِ بالوجوهِ الْمُحَسِّنَةِ للألفاظِ؛ فلذا قَدَّمَها وقالَ: (مُحَسِّنَاتٌ مَعْنَوِيَّةٌ) ، وهيَ وجوهٌ عديدةٌ ذَكَرَ المصنِّفُ منها أربعةً وعشرينَ:

1 -التَّوْرِيَةُ:

أنْ يُذْكَرَ لفظٌ لهُ مَعْنَيَانِ؛ أحدُهما قريبٌ يَتَبَادَرُ فَهْمُه من الكلامِ، والآخَرُ بعيدٌ وهوَ بخلافِه، أيْ: لا يَتَبَادَرُ فَهْمُه من الكلامِ، والبعيدُ منْ مَعْنَيَيْهِ هوَ المرادُ بالإفادةِ، ثمَّ لا بُدَّ أنْ يكونَ إرادةُ البعيدِ لقرينةٍ خَفِيَّةٍ، إذْ لوْ لم تكُنْ قرينةٌ على إرادتِه أَصْلًا لم يُفْهَمْ، ولمْ يكُنْ مُرادًا بالإفادةِ، فيَخْرُجُ اللفظُ عن التَّوْرِيَةِ، وإنْ كانتْ ثَمَّةَ قرينةٌ ظاهِرَةٌ على إرادتِه صارَ قريبًا بها، وإنْ كانَ بعيدًا في أصْلِه فيَخْرُجُ عنْ معنى التوريةِ أيضًا. وإنَّما سُمِّيَ هذا النوعُ بالتَّوْرِيَةِ؛ لأنَّ فيهِ سَتْرَ المعنى البعيدِ بالقريبِ.

والتَّوْرِيَةُ في الأصْلِ مَصْدَرُ وَرَّى الْخَبَرَ إذا سَتَرَهُ وأَظْهَرَ غيرَهُ.

ثمَّ التوريةُ قِسمانِ:

الأُولَى مُجَرَّدَةٌ، وهيَ التي لم تُجَامِعْ شيئًا مِمَّا يُلَائِمُ المعنى القريبِ، نحوَ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} ؛ فإنَّ الْجَرْحَ لهُ مَعنيانِ: قريبٌ، وهوَ الذي يُعَبَّرُ عنه بالفارسيَّةِ (بخسته كردن) ، وبعيدٌ: وهوَ ارتكابُ الذنوبِ، والمرادُ منهُ ههنا المعنى البعيدُ. كما قالَ: أَرادَ بقولِه: {جَرَحْتُمْ} معناهُ البعيدَ، وهوَ ارتكابُ الذنوبِ، ولم يُقْرَنْ بهِ شيءٌ مِمَّا يُلائِمُ المعنى القريبِ، فكانَ هذا من الْمُجَرَّدَةِ.

والثانيةُ مُرَشَّحَةٌ: وهيَ التي تُجَامِعُ شيئًا مِمَّا يُلائِمُ المعنى القريبَ، نحوَ: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} ؛ فإنَّ المرادَ بِالْيَدِ في الآيةِ ليسَ معناها القريبَ الذي هوَ الجارِحَةُ المخصوصةُ؛ لاستحالةِ الجارحةِ عليهِ سبحانَه، بل المرادُ بها على ما هوَ رَأْيُ عامِّةِ المفسِّرينَ معناها البعيدُ، وهوَ الْقُوَّةُ والقُدْرَةُ، وقدْ قُرِنَ بها ما يُلائِمُ المعنى القريبَ الذي هوَ الجارحةُ، وهوَ قولُه تعالى: {بَنَيْنَاهَا} ؛ إذ البِنَاءُ يُلائِمُ اليدَ بمعنى الجارِحَةِ. وكقولِه:

يا سَيِّدًا حازَ لُطْفًا ... * ... لهُ الْبَرَايَا عَبِيدُ

أنتَ الْحُسَيْنُ ولَكِنْ ... * جَفَاكَ فَينا يَزِيدُ

فإنَّ معنى يزيدَ القريبَ الْمُتَبَادَرَ إلى الفَهْمِ منهُ أنَّهُ عَلَمٌ لابنِ معاويةَ المشهورِ، وهوَ ليسَ بمقصودٍ، ومعناهُ البعيدُ المقصودُ منهُ ههنا أنَّهُ فِعْلٌ مضارِعٌ مِنْ زادَ، وقد اقْتَرَنَ بهِ ذِكْرُ الْحُسَيْنِ الذي هوَ مُلائِمٌ لمعناهُ القريبِ، فكانَ منْ قَبيلِ التَّوْرِيَةِ الْمُرَشَّحَةِ.

2 -الإبهامُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت