فهرس الكتاب
طِباقُ الإيجابِ، بأنْ يكونَ اللفظانِ المتقابلانِ معناهما مُوجَبًا، نحوَ قولِه تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} ، فذُكِرَتِ اليَقَظَةُ والرُّقادُ الْمُتقابِلانِ بطريقِ الإيجابِ والإثْباتِ.
وطِباقُ السلْبِ، وهوَ أنْ يُجْمَعَ بينَ المتقابلينِ: أحدُهما مُوجَبٌ، والآخَرُ سَلْبٌ، كقولِه تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، فإنَّ العِلْمَ الأوَّلَ مَنْفِيٌّ، والثانيَ مُثْبَتٌ، وبينَ النفيِ والإثباتِ تقابُلٌ باعتبارِ أصْلِهِما، وإنْ لمْ يكُنْ ههنا باعتبارِ الحالةِ الراهنةِ؛ لأنَّ الْمَنْفِيَّ هوَ العِلْمُ النافعُ في الآخِرَةِ، والْمُثْبَتَ عِلْمٌ لا يَنْفَعُ فيها، ولا تَنَافِيَ بينَهما، لكنَّ انتفاءَ التَّنَافِي بينَهما بهذا الاعتبارِ لا يَقْدَحُ في تَحَقُّقِ الطِّبَاقِ؛ لأنَّ الْمُعْتَبَرَ هوَ التنافي باعتبارِ أصْلِهما، وإنْ لمْ يكُنْ باعتبارِ الحالةِ الراهِنَةِ.
5 -من الطِّبَاقِ الْمُقابَلَةُ:
وهوَ أنْ يُؤْتَى بِمَعْنَيَيْنِ أوْ أَكْثرَ، ثمَّ يُؤْتَى بما يُقَابِلُ ذلكَ الْمَأْتِيِّ به. على الترتيبِ، أيْ على ترتيبِ ما أُتِيَ بهِ أَوَّلًا، بحيثُ يكونُ الأوَّلُ مِمَّا أُتِيَ بهِ ثانيًا مقابِلًا للأوَّلِ مِمَّا أُتِيَ بهِ أَوَّلًا، والثاني للثاني، وهكذا إلى الآخِرِ.
نحوَ قولِه تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} ، فأَتَى سبحانَهُ وتعالى بالضَّحِكِ والقِلَّةِ ثمَّ بالبُكاءِ والكَثْرَةِ على الترتيبِ، بأنْ قُوبِلَ الأوَّلُ من الطرَفِ الثاني، وهوَ البكاءُ، بالأوَّلِ من الطرَفِ الأوَّلِ، وهوَ الضَّحِكُ، والثاني من الطرَفِ الثاني، وهوَ الكثرَةُ، بالثاني من الطرَفِ الأوَّلِ، وهوَ القِلَّةُ.
6 -ومنهُ التَّدْبِيجُ:
وهوَ أن يُورِدَ في معنًى من المدْحِ أوْ غيرِه التقابُلَ بينَ ألفاظِ الألوانِ؛ لقَصْدِ الكِنايةِ بتلكَ الألفاظِ عنْ ذلكَ المعنى من المدْحِ أوْ غيرِه، كقولِه: (تَرَدَّى) ، منْ تَرَدَّيْتُ الثوبَ أَخَذْتُه رِدَاءً، والمرادُ أنَّهُ لَبِسَ (ثيابَ الموتِ) ، أي: الثيابَ التي كانَ لابِسًا لها وقْتَ الموتِ والقتْلِ، حالَ كونِ تلكَ الثيابِ (حُمْرًا) ، أيْ: مُحْمَرَّةً بالدَّمِ ومُلَطَّخَةً بهِ، (فما أَتَى لها) ، أيْ: لتلكَ الثيابِ، ولم يَدْخُل الليلُ، (إلَّا وهيَ) ، أيْ: تلكَ الثيابُ، (منْ سُنْدُسٍ) ، أيْ: منْ رقيقِ الحريرِ، (خُضْرِ) ، وحاصِلُ معنى البيتِ أنَّهُ لَبِسَ الثيابَ الْمُلَطَّخَةَ بالدمِ حين قُتِلَ، ولم يَدْخُلِ الليلُ حتَّى صارتْ تلكَ الثيابُ منْ سُنْدِسٍ خُضْرٍ منْ ثيابِ الْجَنَّةِ، فقدْ جَمَعَ فيهِ بينَ ألفاظِ الألوانِ الْمُتقابِلَةِ، وهيَ الْحُمْرَةُ والخضرَةُ، وقَصَدَ بالأوَّلِ الكنايةَ عن القتْلِ لظهورِ أنَّ الترَدِّيَ بثيابِ الموتِ حالَ كونِها حُمْرًا يَلْزَمُ منهُ القتْلُ عُرْفًا معَ قرينةِ السياقِ، وبالثاني عنْ دخولِ الْجَنَّةِ للعلْمِ بأنَّ أهلَ الجنَّةِ يَلْبَسُونَ الحريرَ الأخْضَرَ، فالمجموعُ كنايةٌ عنْ كونِه شهيدًا منْ أهْلِ الجنَّةِ.
وإنَّما سُمِّيَ هذا القِسْمُ بالتدبيجِ؛ لأنَّهُ في الأصْلِ منْ دَبَّجَ المطَرُ الأرضَ إذا زَيَّنَها بألوانِ النباتِ، فشَبَّهَ ذكْرَ ألفاظِ الألوانِ في الكلامِ بما يَحْدُثُ بالمطَرِ منْ ألوانِ النباتِ، وسُمِّيَ باسمِ التدبيجِ.
7 -الإدماجُ: