فهرس الكتاب
أنْ يُضَمَّنَ كلامٌ سِيقَ لمعنًى معنًى آخَرَ، أيْ: أنْ يَجْعَلَ المتكلِّمُ الكلامَ الذي سِيقَ لمعنًى مُتَضَمِّنًا لمعنًى، فيكونُ المعنى الآخَرُ ملفوفًا في الكلامِ وداخلًا فيه، ولذلكَ سُمِّيَ بالإدماجِ؛ لأنَّ الإدماجَ في اللغةِ اللفُّ والإدخالُ، يُقالُ: أَدْمَجَ الشيءَ في ثوبِه، إذا لَفَّهُ وأَدْخَلَهُ فيهِ، نحوَ قولِ أبي الطَّيِّبِ:
(أُقَلِّبُ فيهِ) ، أيْ: ذلكَ الليلِ، (أَجْفَانِي كأنِّي * أَعُدُّ بها) ، أيْ: بالأجفانِ منْ جهةِ حَرَكَتِها، (على الدَّهْرِ الذُّنُوبَا) ، أيْ: ذنوبَ الدهْرِ عَلَيَّ منْ تفريقِه بيني وبينَ الأحِبَّةِ، ومنْ عَدَمِ استقامةِ الحالِ وغيرِ ذلكَ، فجَعَلَ أجفانَهُ كالسِّبْحَةِ حيثُ يَعُدُّ بكلِّ حركةٍ منْ حركاتِها ذَنْبًا منْ ذنوبِ الدهْرِ، وفيهِ إشارةٌ إلى كَثْرةِ هذا التقليبِ للعِلْمِ بكثرةِ الذنوبِ التي يَعُدُّها على الدَّهْرِ؛ فإنَّهُ قَصَدَ منْ هذا الكلامِ وَصْفَ الليلِ بالطُّولِ معَ السهَرِ، وهوَ المعنى الذي سِيقَ لهُ الكلامُ، وضَمَّنَ هذا، أيْ وَصْفَ الليلِ بالطُّولِ معَ السهَرِ الذي يَظْهَرُ معهُ، الطُّولَ الشكايةَ من الدهْرِ، فتلكَ الشكايةُ هيَ المعنى الْمُضَمَّنُ الغيرُ المسوقِ لأجلِها الكلامُ، وبها حَصَلَ الإدماجُ.
8 -ومن الإدماجِ ما يُسَمَّى بالاستتباعِ:
وهوَ الْمَدْحُ بشيءٍ على وجْهٍ يَسْتَتْبِعُ المدْحَ بشيءٍ آخَرَ، فالاستتباعُ مُخْتَصٌّ بِالمَدْحِ، والإدماجُ يَشْمَلُ الْمَدْحَ وغيرَه؛ ولذا جَعَلَ الاستتباعَ نوعًا من الإدماجِ، ولمْ يَعُدَّهُ قِسمًا برأسِه، كقولِ الخُوارزميِّ:
سَمْحُ البَديهةِ ليسَ يُمْسِكُ لفْظَه * فكأنَّما ألفاظُه منْ مالِهِ
فإنَّهُ مَدَحَه بطَلاقَةِ اللسانِ بالقَصْدِ الأوَّلِ؛ لأنَّهُ المعنى المسوقُ لهُ الكلامُ، لكِنْ على وجْهٍ استَتْبَعَ مدحَه بالكرَمِ، فإنَّهُ لَمَّا جَعَلَ ألفاظَهُ مُشَبَّهًا بمَالِهِ بعدَما حَكَمَ على تلكَ الألفاظِ أنَّ الممدوحَ لا يُمْسِكُها، عُلِمَ منهُ أنَّهُ كريمٌ لا يُمْسِكُ المالَ، فالمدْحُ بالكرَمِ معنًى مُسْتَتْبِعٌ للمدْحِ بطَلَاقَةِ اللسانِ.
9 -مراعاةُ النظيرِ:
هيَ جَمْعُ أمرٍ وما يُنَاسِبُه، سواءٌ كانَ واحدًا أوْ مُتَعَدِّدًا، بشرْطِ أنْ يكونَ التناسُبُ لا بالتضَادِّ والتقابُلِ كما في الطِّبَاقِ، بلْ بالتوافُقِ بأنْ يكونَ بينَهما مصاحبَةٌ في الإدراكِ، أوْ مناسَبَةٌ في الشكْلِ وما أَشْبَهَ ذلكَ، كقولِه:
إذا صَدَقَ الْجَدُّ افْتَرَى الْعَمُّ للْفَتَى * مَكارِمَ لا تَخْفَى وإنْ كَذَبَ الخالُ
فقدْ جَمَعَ بينَ الْجَدِّ والعَمِّ والخالِ، ومعانيها المتبادَرَةُ منها متناسِبَةٌ قَطْعًا، وإنْ كانَ ما هوَ المرادُ ههنا من المعاني ليسَ بينَها تناسُبٌ بشيءٍ منْ أوْجُهِ التناسُبِ من التقارُنِ في الإدراكِ أو المناسَبَةِ في الشكْلِ أوْ نحوَ ذلكَ، كيفَ والمرادُ ههنا بالأوَّلِ، أي الْجَدِّ، الحَظُّ، وبالثاني، أي العَمِّ، عامَّةُ الناسِ، وبالثالثِ، أي الخالِ، الظنُّ. ومن الظاهِرِ أنَّهُ ليسَ بينَ هذه المعاني تناسُبٌ بوجْهٍ منْ وجوهِ