فهرس الكتاب
التناسُبِ، فعُلِمَ منْ هذا أنَّ الْمُرادَ بتَنَاسُبِ المعاني في مُراعاةِ النظيرِ ليسَ هوَ تَنَاسُبُ المعاني المرادةِ في الحالِ، بلْ مُطْلَقًا سواءٌ كانتْ تلكَ المعاني مُرادَةً في الحالِ أوْ لا.
10 -الاستخدامُ:
هوَ ذِكْرُ اللفظِ الذي لهُ مَعْنَيَانِ أوْ أكثرُ، سواءٌ كانتْ حقيقيَّةً، أوْ مَجَازيَّةً، أوْ بعضُها حقيقيَّةً وبعضُها مَجَازِيَّةً، بمعنى منْ تلكَ المعانِي، واستعمالُه فيه، وإعادةُ ضميرٍ عليهِ، أيْ على ذلكَ اللفظِ، لكِنْ لا باعتبارِ إرادةِ ذلكَ المعنى الذي أُريدَ، بلْ بمعنًى آخَرَ منْ جملةِ معاني ذلكَ اللفظِ، أوْ ذِكْرُ اللفظِ بمعنًى وإعادةُ ضميرينِ إليه بالمعاني الأُخَرِ بحيثُ تريدُ بثانيهما، أيْ بثاني الضميرينِ، معنًى غيرَ ما أَرَدْتَهُ بأَوَّلِهما، وغيرَ ما أَرَدْتَهُ باللفظِ أيضًا، وإلَّا لمْ يكُنْ أحدُ الضميرينِ استخدامًا، والكلامُ في الضميرِ العائدِ على وجهِ الاستخدامِ.
فالأوَّلُ من الوجهينِ المذكورينِ، وهوَ أنْ يُذْكَرَ اللفظُ ويُرادُ بهِ أحَدُ المعنَيَيْنِ، وبضميرِه معناهُ الآخَرُ، نحوَ قولِه تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ؛ فإنَّهُ سبحانَهُ أَرَادَ بالشهْرِ الهلالَ. ولعلَّ وجهَ هذه الإرادةِ أنَّهُ لوْ أُريدَ بهِ الزمانُ المعلومُ لمْ يَتَرَتَّبْ عليهِ الأمْرُ بالصومِ؛ لأنَّ شهودَ الشهْرِ بتمامِه إنَّما يكونُ بعْدَ انقضائِه، ولا معنًى لترتُّبِ وجوبِ الصوْمِ فيهِ بعدَ انقضائِه، وأرادَ بضميرِه العائدِ إليهِ في (فَلْيَصُمْهُ) الزمانَ المعلومَ، وهوَ ظاهِرٌ جِدًّا؛ فقدْ أُريدَ بلفظِ الشهْرِ معنًى، وأُرِيدَ بضميرِه معنًى آخَرُ، فهذا من الوجْهِ الأوَّلِ.
والوجهُ الثاني، وهوَ أن يُذْكَرَ اللفظُ ويُرَادُ بهِ معنًى، وبأحدِ ضَمِيرَيْهِ معنًى يُغايِرُه، وبضميرِه الآخَرِ معنًى يُغَايِرُهما، كقولِه:
فَسَقَى الغَضاءُ الساكنِيِهِ وإنْ هُمُ * شَبُّوهُ بينَ جَوَانِحِي وضُلُوعِي
الغَضَا شَجَرٌ بالبَادِيَةِ، وضميرُ ساكِنِيهِ يعودُ إليه بمعنى مكانِه؛ إذْ يُطْلَقُ عليهِ الغَضَا مَجازًا، وضميرُ شَبُّوهُ، أيْ: أَوْقَدُوهُ، يعودُ إليه بمعنى نارِه؛ إذ يُقالُ لها: غَضَا، أيضًا على سبيلِ الْمَجَازِ؛ لتَعَلُّقِها به، والجوانِحُ جمْعُ جانِحَةٍ، وهيَ العَظْمُ مِمَّا يَلِي الصدْرَ، فقولُه: (وَضُلُوعِي) ، منْ عَطْفِ التفسيرِ. وهذا، أيْ قولُه: بينَ جوانحي وضُلُوعي، كنايةٌ عن القَلْبِ، وشَبُّ النارِ في القلْبِ عبارةٌ عنْ إيذاءِ شِدَّةِ الْحُبِّ، فقدْ ذَكَرَ في هذا البيتِ الغَضَا بمعنى الشجَرِ، ثمَّ أعادَ إليهِ الضميرَ أوَّلًا بمعنى المكانِ النابِتِ فيهِ شَجَرُ الْغَضَا مَجازًا، ثمَّ أَعَادَ إليه الضميرَ ثانيًا بمعنى النارِ الْمُوقَدَةِ فيهِ مَجازًا أيضًا، فهذا هوَ الوجهُ الثاني من الوجهينِ المذكورَينِ للاستخدامِ.
11 -الاستطرادُ:
هوَ أنْ يَخْرُجَ المتكلِّمُ من الغرَضِ الذي هوَ فيهِ كغَزَلٍ أوْ فَخْرٍ أوْ وَعْظٍ أوْ غيرِها إلى غَرَضٍ آخَرَ لمناسَبَةٍ بينَ الغرضينِ، وجهةٍ جامعةٍ مقبولةٍ بينَهما، ثمَّ يَرْجِعُ إلى تَتْمِيمِ الغرَضِ الأوَّلِ، كقولِ السَّمَوْءَلِ، على وَزْنِ فَعَوْلَلْ: