الصفحة 88 من 111

(وإنَّا أُناسٌ لا نَرَى القتْلَ سُبَّةً) ، السُّبَّةُ ما يُسَبُّ بهِ، كما أنَّ الْخُدْعَةَ ما يُخْدَعُ بهِ، وأَصْلُ السبِّ القطْعُ، ثمَّ استُعْمِلَ في الشَّتْمِ والعارِ، (إذا ما رَأَتْهُ عامِرٌ وسَلولُ) ، قَبيلتانِ، يقولُ: إذا حَسِبَ هؤلاءِ القتْلَ عارًا عَدَّهُ عَشِيرتِي فَخْرًا، (يُقَرِّبُ حبُّ الموتِ) ، أيْ: حُبُّنَا للموتِ، (آجَالَنا لنا وتَكْرَهُهُ آجالُهم فتَطُولُ) ، يُشيرُ بهِ إلى أنَّهُم يَغْتَبِطُونَ لاقتحامِهم المنايا، وأنَّ عامِرًا وسَلُولًا يُعَمِّرُونَ لِمُجَانَبَتِهُم الشرَّ؛ كراهةً للموتِ وحُبًّا للحياةِ، (وما ماتَ منا سَيِّدٌ حَتْفَ أَنْفِهِ) ، يُقالُ: ماتَ فلانٌ حَتْفَ أنفِه، إذا ماتَ مِنْ غيرِ قَتْلٍ ولا ضَرْبٍ، (ولا طَلَّ منَّا) ، أيْ: لمْ يَبْطُلْ دَمُ قتيلٍ منَّا، يُقالُ: طَلَّ دمُه إذا بَطَلَ ولم يُطْلَبْ به، وقدْ طَلَّهُ فلانٌ: أَبْطَلَه، (حيثُ كانَ قَتِيلُ) ، والمعنى: إنَّا لا نَمُوتُ، ولكِنْ نُقتَلُ، ودمُ القتيلِ مِنَّا لا يَبْطُلُ، ولا يَذْهَبُ هَدَرًا.

فسياقُ القَصيدةِ للفَخْرِ، وهوَ الْغَرَضُ الأصلِيُّ للمتكلِّمِ، ثمَّ انْتَقَلَ واسْتَطْرَدَ منهُ إلى هِجاءِ عامِرٍ وسلولٍ ببيانِ أنَّهُما ضِدَّانِ لِعَشِيرَتِه في الشجاعةِ؛ ليَظْهَرَ منْ هذا شجاعةُ عَشيرتِه زيادةَ ظُهورٍ لِمَا تَقَرَّرَ أنَّ الأشياءَ تَتَبَيَّنُ بأَضدادِها، ثمَّ عادَ إليهِ، أيْ إلى بيانِ الفخْرِ الذي هوَ الغَرَضُ الأصليُّ لهُ.

12 -الافتنانُ:

هوَ الْجَمْعُ بينَ فَنَّيْنِ، أيْ: نوعينِ، من المعاني مختلِفينِ، كالغَزَلِ والْحَمَاسةِ، فإنَّ الأوَّلَ عبارةٌ عنْ محادَثَةِ النساءِ ومُرَاوَدَتِهُنَّ، والثاني عن الشجاعةِ، وهما فَنَّانِ مختلِفانِ، وكذا حالُ الْمَدْحِ والهجاءِ، والتَّعْزِيَةِ والتهنئةِ؛ فإنَّ الهجاءَ نوعٌ مختلِفٌ لنوعِ المدْحِ، والتهنئةَ نوعٌ مُغَايِرٌ لنوعِ التعزيةِ، فالكلامُ الذي اجْتَمَعَ فيهِ مِثلُ هَذَيْنِ النوعينِ يُسَمَّى مُفْتِنًا، وذلكَ الجمْعُ افتنانًا، كقولِ عبدِ اللَّهِ بنِ هَمَّامٍ السَّلُوليِّ حينَ دَخَلَ على يَزِيدَ، وقدْ ماتَ أبوهُ معاويةُ، وخَلَفَهُ هوَ في الْمُلْكِ: آجَرَكَ اللَّهُ على الرَّزِيَّةِ، بالفتْحِ والياءِ الْمُشَدَّدَةِ: الْمُصيبةِ، وبَارَكَ لكَ في الْعَطِيَّةِ، وأَعانَكَ على الرَّعِيَّةِ، فقدْ رُزِئْتَ عَظِيمًا، وأُعْطِيتَ جَسِيمًا، فاشْكُرِ اللَّهَ على ما أُعْطِيتَ، واصْبِرْ على ما رُزِئْتَ؛ فقدْ فَقَدْتَ الخليفةَ، وأُعْطِيتَ الخلافةَ، ففَارَقْتَ خليلًا، ووُهِبْتَ جَليلًا:

اصْبِرْ يزيدُ فقدْ فارَقْتَ ذا ثِقَةٍ ... * واشكُرْ حُبَاءَ الذي بالْمُلْكِ أَصْفَاكَ

لا رُزْءَ أَصْبَحَ في الأقوامِ نَعْلَمُهُ * كما رُزِئْتَ ولا عُقْبَى كعُقْبَاكَ

فهذا الكلامُ قد اشْتَمَلَ على نوعٍ من الافتنانِ؛ لأنَّهُ جَمَعَ فيهِ بينَ التَّعْزِيَةِ على موتِ أبيهِ، والتهنئةِ على خِلافتِهِ، وهما فَنَّانِ مختلِفانِ.

13 -الجَمْعُ:

هوَ أنْ يُجْمَعَ بينَ مُتَعَدِّدٍ في حُكْمٍ واحدٍ، أيْ أمْرٍ كُلِّيٍّ يَجْمَعُ ذلكَ الْمُتَعَدِّدَ، كقولِه: (إنَّ الشبابَ) ، الذي هوَ زمانُ اتِّباعِ الْهَوَى، (والفراغَ) ، أي: الْخُلُوَّ من الشواغِلِ المانِعةِ من اتِّباعِ الْهَوَى، (والْجِدَهْ) ، أي: الاستغناءَ، (مَفْسَدَةٌ للمَرْءِ أيَّ مَفْسَدَةٍ) ، أيْ: مَفْسَدَةٌ عظيمةٌ، والْمَفسدةُ الأمْرُ الذي يَدْعُو صاحبَه للفَسادِ، فالْمَفْسَدَةُ هيَ الحكْمُ الكُلِّيُّ، وقدْ جَمَعَ فيهِ الثلاثةَ.

14 -التفريقُ:

هوَ أن يُفَرَّقَ في الْمَدْحِ أوْ غيرِه بينَ شيئينِ منْ نوعٍ واحدٍ، كقولِه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت