الصفحة 89 من 111

(ما نَوَالُ الغَمَامِ وقتَ ربيعٍ) ، الذي هوَ وقتُ ثروةِ الغمامِ، (كَنَوَالِ الأميرِ يومَ سَخَاءِ) ، الذي هوَ يومُ فَقْرِ الأميرِ لكثرةِ السائلينَ وكمالِ بَذْلِه، (فنَوَالُ الأميرِ) ، الفاءُ تَعليلِيَّةٌ، (بَدْرَةُ عينٍ) ، وهيَ عشرةُ آلافِ دِرْهَمٍ، (ونَوَالُ الغَمامِ قَطْرَةُ ماءِ) ، ففَرَّقَ بينَ نوالِ الأميرِ ونوالِ الغَمامِ، معَ أنَّهُما منْ نوعٍ واحدٍ، وهوَ مُطْلَقُ النوالِ.

15 -التقسيمُ:

هوَ إمَّا استيفاءُ أقسامِ الشيءِ بحيثُ لا يَبْقَى للمُقَسَّمِ قِسْمٌ آخَرُ غيرُ ما ذُكِرَ، نحوَ قولِه في تقسيمِ العِلْمِ باعتبارِ تَعَلُّقِهِ بالزمانِ:

وأَعْلَمُ عِلْمَ اليومِ والأمسِ قَبْلَهُ * ولكنَّنِي عنْ علْمِ ما في غَدٍ عَمِي

فهذا الشعْرُ يَتَضَمَّنُ أنَّ العلْمَ باعتبارِ تَعَلُّقِه بالزمانِ يَنْقَسِمُ إلى العلْمِ الذي يَتَعَلَّقُ بالحالِ، وإلى الذي يَتَعَلَّقُ بالماضي، وإلى الذي يَتَعَلَّقُ بالمستقبَلِ، فهوَ تقسيمٌ مستوفٍ لأقسامِ العلْمِ باعتبارِ المتعلِّقِ بالزمانِ.

وإمَّا ذِكْرُ مُتَعَدِّدٍ وإرجاعُ ما لكلٍّ، أيْ: وإرجاعُ الحكْمِ الذي لكلِّ واحدٍ منْ ذلكَ المتعدِّدِ بإضافتِه وإسنادِه إليهِ على التعيينِ، كقولِه: (ولا يُقِيمُ على ضَيْمٍ يُرادُ بهِ) ، أيْ: ولا يُقِيمُ ولا يَتَوَطَّنُ أحَدٌ معَ ظُلْمٍ، يُرادُ ذلكَ الظلْمُ بذلكَ الأحَدِ، (إلَّا الْأَذَلَّانِ: عِيرُ الْحَيِّ والوَتَدِ) ، العِيرُ الْحِمارُ سواءٌ كانَ وَحْشِيًّا أوْ أَهْلِيًّا، لكنَّ إضافتَهُ إلى الْحَيِّ لعينِ الثاني وهوَ المناسِبُ ههنا؛ لأنَّهُ الذي يُرْبَطُ ويَحْمِلُ الذلَّ، (هذا) ، أيْ: عِيرُ الْحَيِّ، (على الْخَسْفِ مربوطٌ بِرُمَّتِه) ، أيْ: معَ الْخَسْفِ والذلِّ مربوطٌ بتَمامِه، (وذا) ، أي: الوَتَدُ، (يُشَجُّ) ، أيْ: يُدَقُّ ويُشَقُّ رأسُه، (فلا يَرْثِي) ، أيْ: فلا يَرْحَمُ، (لهُ أَحَدُ) ، فذَكَرَ الشاعِرُ العِيرَ والوَتَدَ ثمَّ رَجَعَ وأَضَافَ إلى الأوَّلِ الربْطَ معَ الْخَسْفِ، وإلى الثاني الشَّجَّ على التعيينِ.

وإمَّا ذِكْرُ أحوالِ الشيءِ، أيْ: بعدَ ذكْرِ ذلكَ الشيءِ، مضافًا، أيْ: حالَ كونِ تلكَ الأحوالِ قدْ أُضِيفَ، وأُسْنِدَ إلى كلِّ واحدٍ منها ما يَلِيقُ به. والفَرْقُ بينَ هذا وبينَ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ يَذْكُرُ ههنا الأحوالَ الْمُتَعَدِّدَةَ، ويَذْكُرُ معَ كلِّ واحدٍ منْ تلكَ الأحوالِ ما يُناسِبُهُ. بخلافِ ما تَقَدَّمَ، فإنَّهُ يَذْكُرُ هناكَ الْمُتَعَدِّدَ أوَّلًا ثمَّ بعدَ ذِكْرِ المتعدِّدِ يَذكُرُ ما يُناسِبُ لكلِّ واحدٍ منهُ على التعيينِ، كقولِه:

(سأَطْلُبُ حَقِّي بالْقَنَا) ، وهيَ الرُّمْحُ، (ومَشَائِخٍ) ، خَصَّ المشائِخَ لأنَّهُم أَعْرَفُ بالأمورِ، وأكثرُ تجرِبةً، (كأنَّهُم منْ طُولِ ما الْتَثَمُوا) ، كلمةُ ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: منْ طُولِ التِثَامِهِمْ، وهوَ عبارةٌ عنْ وَضْعِ اللِّثامِ، واللِّثامُ بالكسْرِ (دهان بند) كما في الصراحِ، وكانَ منْ عَادَةِ العرَبِ التلَثُّمُ في الحربِ للتَّوَقِّي عن الغُبارِ، ولإخفاءِ الحالِ، (مُرْدُ) لعَدَمِ ظهورِ لِحَاهُمْ منْ طُولِ اللِّثامِ، (ثِقَالٌ) على الأعداءِ منْ شِدَّةِ شَوْكَتِهِم وصعوبةِ وَطْأَتِهِم، (إذا لَاقَوْا) وحارَبُوا، (خِفافٌ) ، أيْ: مسرعينَ بالإجابةِ، (إذا دُعُوا) إلى كفايةِ مُهِمٍّ أوْ دفاعِ مُلِمٍّ، (كثيرٌ إذا شَدُّوا) وحَمَلُوا على العَدُوِّ؛ لأنَّ واحدًا منهمْ يَقومُ مَقامَ الجماعةِ في النِّكايَةِ، (قليلٌ إذا عُدُّوا) ؛ لأنَّ أهْلَ النَّجْدَةِ منهمْ في غايةِ الْقِلَّةِ، فقدْ ذَكَرَ الْمَشَائِخَ ثمَّ ذَكَرَ أحوالَهمْ من الثِّقَلِ والْخِفَّةِ والكَثْرَةِ والقِلَّةِ، وأضافَ لكلِّ حالٍ ما يُناسبُها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت