فهرس الكتاب
فأضافَ للثِّقَلِ ما يُناسبُه من الْمُلاقاةِ والمحاربةِ، وللخِفَّةِ ما يُناسبُها من الدعوةِ للإجابةِ، وللكثرةِ ما يُناسبُها من الشدَّةِ والحمْلِ على الأعداءِ، وللقلَّةِ ما يُناسِبُها من العددِ.
16 -الطَّيُّ والنَّشْرُ:
هوَ، أيْ: هذا النوعُ الْمُسَمَّى بالطَّيِّ والنَّشْرِ، ذِكْرُ معنًى متعدِّدٍ على وجهِ التفصيلِ بأنْ يُعَبَّرَ عنْ كلٍّ منْ آحادِ مجموعِ ذلكَ المعنى المتعدِّدِ بلفظٍ يُخَصُّ به، ويَفْصِلُهُ عمَّا عَدَاهُ، أوْ على وجهِ الإجمالِ بأنْ يُبَيَّنَ مجموعُ ذلكَ المعنى المتعدِّدِ بلفْظٍ يَجتمِعُ فيهِ آحادُ ذلكَ المجموعِ، وهذا هوَ الطَّيُّ، ويُسَمَّى اللَّفَ أيضًا.
ثمَّ بعدَ ذِكْرِ المعنى المتعدِّدِ على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ ذَكَرَ ما لكُلِّ واحدٍ منْ آحادِ ذلكَ المتعدِّدِ منْ غيرِ تعيينٍ من المتكلِّمِ اعتمادًا على فَهْمِ السامعِ للقَرينةِ اللفظيَّةِ أو المعنويَّةِ، على أنَّ السامعَ يَرُدُّ ما لكلِّ واحدٍ من المتعدِّدِ إليه، وهذا هوَ النشْرُ.
فالقِسمُ الأوَّلُ، وهوَ أنْ يَذْكُرَ المتعدِّدَ على التفصيلِ، كقولِه تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} ، ففي هذه الآيةِ الكريمةِ ذَكَرَ الليلَ والنهارَ على التفصيلِ، ثمَّ ذَكَرَ السكونَ والابتغاءَ الراجِعَينِ إليهما، فالسكونُ راجعٌ إلى الليلِ لظهورِ مناسَبَتِه للَّيْلِ، والابتغاءُ راجعٌ إلى النهارِ للمُناسَبَةِ أيضًا.
والقِسْمُ الثاني، وهوَ أنْ يكونَ ذِكْرُ المتعدِّدِ على سبيلِ الإجمالِ، كقولِ الشاعِرِ:
ثلاثةٌ تُشرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِها ... * ... شَمْسُ الضُّحَى وأبو إسحاقَ والقمَرُ
فقدْ ذَكَرَ هذهِ الثلاثةَ أوَّلًا على وجهِ الإجمالِ منْ حيثُ التعبيرُ عنها باسمِ العددِ، ثمَّ بَيَّنَها على التفصيلِ والتعبيرِ عنْ كلٍّ منها باسمِه الخاصِّ بهِ، بقولِه: شمسُ الضُّحَى، وأبو إسحاقَ، والقمرُ. لكنَّ الوصْفَ الذي ذُكِرَ لهذهِ الثلاثةِ، وهوَ شُروقُ الدنيا ببهجَتِها، واحدٌ مشتَرَكٌ بينَها، معَ أنَّ ما ذَكَرَهُ في تعريفِ الطَّيِّ والنَّشْرِ، وهوَ المشهورُ أيضًا، يَقْتَضِي أنْ يكونَ الوصْفُ لكلِّ واحدٍ من المتعدِّدِ المذكورِ أوَّلًا على وجْهِ التفصيلِ أو الإجمالِ على حِدَةٍ منْ غيرِ أن يُعَيِّنَهُ المتكلِّمُ ثقةً بأنَّ السامعَ يُعَيِّنُهُ، فالأظْهَرُ في المثالِ قولُه تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} ، فإنَّهُ تعالى ذَكَرَ الفريقينِ على وجهِ الإجمالِ بالضميرِ في (قالُوا) ؛ لكونِه عائدًا للفريقينِ، ثمَّ ذَكَرَ ما يَخُصُّ كُلًّا منهما في قولِه: {إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} ، أيْ: قالت اليهودُ: لنْ يدخُلَ الجنَّةَ إلَّا مَنْ كانَ هُودًا، وقالتِ النصارَى: لنْ يدخُلَ الجنَّةَ إلَّا مَنْ كانَ نَصَارَى، والقَرينةُ على التعيينِ العلْمُ بثبوتِ المتضادَّيْنِ اليهودِ والنَّصَارَى، وبتضليلِ كلِّ فريقٍ صاحبَه، فلا يُمْكِنُ أنْ يقولَ أحَدُ الفريقينِ بدخولِ الفريقِ الآخَرِ الجنَّةَ، فوَثَقَ بالنقْلِ في أنَّهُ يُعَيِّنُ كلَّ قولٍ لفريقِه.
17 -إرسالُ الْمَثَلِ والكلامِ الجامعِ: