الصفحة 91 من 111

هوَ توحيدُ الضميرِ باعتبارِ كونِهما شيئًا واحدًا بالذاتِ، أنْ يُؤْتَى بكلامٍ صالحٍ لأنْ يُتَمَثَّلَ بهِ في مواطِنَ كثيرةٍ؛ وذلكَ لأنَّهُ يُقْصَدُ بهِ حُكْمٌ كُلِّيٌّ غيرُ مُقَيَّدٍ بشيءٍ مخصوصٍ، فيَجْرِي بهِ التمثيلُ في كلِّ موضِعٍ يكونُ مناسِبًا لمعناهُ، والفرْقُ بينَهما، أيْ بينَ إرسالِ الْمَثَلِ والكلامِ الجامعِ، ليسَ باعتبارِ المفهومِ والذاتِ، بلْ باعتبارِ أنَّ الأوَّلَ، أيْ إرسالَ الْمَثَلِ، يكونُ بعضَ بيتٍ، كقولِه:

*ليسَ التَّكَحُّلُ في العينينِ كالكُحْلِ *

فإنَّهُ كلامٌ قُصِدَ بهِ أنَّ حصولَ الزينةِ بالأسبابِ الخارجيَّةِ والتكلُّفَ ليسَ كالزينةِ الأصليَّةِ، فهوَ صالحٌ لأنْ يُتَمَثَّلَ بهِ في مواضعَ كثيرةٍ، وليسَ بيتًا كاملًا بلْ بعضَ بيتٍ.

والثاني، أي الكلامُ الجامِعُ يكونُ بيتًا كاملًا، كقولِه:

إذا جاءَ موسى وأَلْقَى الْعَصَا * فقدْ بَطَلَ السِّحْرُ والساحِرُ

فإنَّ المقصودَ بهِ أيضًا الحكْمُ الكلِّيُّ الصالحُ لأنْ يُتَمَثَّلَ بهِ في كلِّ موطِنٍ كانَ المطلوبُ فيهِ بيانُ اضمحلالِ الباطلِ، وذهابُ أهلِه بمجيءِ أهلِ الحقِّ، وظهورِ آثارِه، وهوَ بيتٌ كاملٌ أيضًا، فهوَ منْ أفرادِ الكلامِ الجامِعِ.

18 -المبالَغَةُ:

هيَ ادِّعاءُ بلوغِ وصْفٍ، أيْ إثباتُ بلوغِه بطريقِ الدَّعْوَى لا بالتحقيقِ في مراتبِ الشدَّةِ أو الضعْفِ ممَّا يَبْعُدُ معَ كونِه مُمْكِنًا عَقْلًا وعادةً كما في القِسمِ الأوَّلِ، أوْ يستحيلُ عقلًا وعادةً كما في الِقسمِ الثالثِ، أوْ عادةً لا عَقْلًا كما في القِسمِ الثاني، ولا احتمالَ لكونِه مستحيلًا عَقْلًا لا عادةً ضرورةَ أنَّهُ يَلزَمُ منْ إمكانِه عادةً إمكانُه عقلًا؛ ولذا انْحَصَرَت المبالَغَةُ في أقسامٍ ثلاثةٍ كما قال: وتَنْقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ؛ لأنَّها تَبْلِيغٌ، إنْ كانَ ذلكَ الْمُدَّعَى ممكنًا عقلًا وعادةً، كقولِه في وَصْفِ فرَسٍ بإكثارِ العدْوِ والسَّبْقِ:

إذا ما سابَقَتْهَا الريحُ فَرَّتْ * وأَلْقَتْ في يدِ الريحِ التُّرَابَا

فإنَّ ادِّعاءَ بلوغِ الفَرَسِ في الْعَدْوِ والسبْقِ إلى حالةٍ إذا سابَقَتْها الريحُ فَرَّتْ وأَلْقَتْ في يدِها الترابَ مُمْكِنٌ عَقْلًا وعادةً، وإنْ كانَ وجودُها في الفَرَسِ في غايةِ النُّدورِ والبُعْدِ.

وإغراقٌ، إنْ كانَ ذلكَ الْمُدَّعَى مُمْكِنًا عَقْلًا لا عادةً، كقولِه:

(ونُكْرِمُ جارَنا ما دامَ) مُقِيمًا فِينَا، (ونُتْبِعُهُ) ، أيْ: نُرْسِلُ إليه، ونَبْعَثُ في أثَرِه (الكَرامةَ حيثُ مَالَا) ، أيْ سارَ ورَحَلَ عَنَّا وسَكَنَ معَ غيرِنا، فادِّعاءُ أنَّهُم يُكْرِمُونَ الجارَ في حالةِ كونِه مقيمًا عندَهم، وفي حالةِ ارتحالِه عنهم، وكونِه معَ غيرِهم، ادِّعاءٌ لِمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت