فهرس الكتاب
هوَ مُمْكِنٌ عَقْلًا، وهوَ ظاهِرٌ جِدًّا لا عادةً لانطباعِ النفوسِ على الشُّحِّ، وعدَمِ مراعاةِ غيرِ المكافآتِ، حتَّى إنَّهُ يكادُ أنْ يَلْتَحِقَ بالْمُحالِ عَقْلًا في هذا الزمانِ.
وغُلُوٌّ، إن استحالَ ذلكَ الْمُدَّعَى عَقْلًا وعادةً، كقولِه:
تكادُ قِسِيُّهُ منْ غيرِ رامٍ ... * ... تُمَكِّنُ في قلوبِهِمُ النِّبَالَا
فقدْ بالَغَ في وَصْفِ قِسِيِّهِ حيثُ صَيَّرَها بحيثُ تُمَكِّنُ النِّبالَ في قلوبِهم منْ غيرِ رامٍ، ومعلومٌ أنَّ تَمكينَها النبالَ في القلوبِ منْ غيرِ رامٍ محالٌ عَقْلًا وعادةً، فهذهِ المبالَغَةُ غلوٌّ.
19 -المُغَائَرَةُ:
هيَ مَدْحُ الشيءِ بعدَ ذَمِّه، أوْ عكسُه، كقولِه في مَدْحِ الدينارِ: (أَكْرِمْ به) صيغةُ تَعَجُّبٍ، ولفظةُ أمْرٍ، بمعنى الماضي، والباءُ زائدةٌ متَّصِلَةٌ بالفاعِلِ، أيْ: كَرُمَ الدينارُ وصارَ ذا كَرَمٍ حالَ كونِه (أَصْفَرَ رَاقَتْ) ، من الرَّوْقِ، بمعنى (خوش آمدن، وبشكفت آدردن كسي را) كما في الصراحِ، (صُفْرَتُه) ، وهذا مَدْحُ الدينارِ بعدَ ذَمِّهِ في قولِه: (تَبًّا لهُ) ، منصوبٌ على إضمارِ الفعْلِ، أيْ: أَلْزَمَهُ اللَّهُ هَلَاكًا وخُسْرَانًا، (من خادِعٍ مُمَازِقِ) ، أيْ: منافِقٍ، وهذا بعَيْنِهِ يكونُ مِثالًا لقولِه. أوْ عكسُه، أيْ ذَمُّ الشيءِ بعدَ مَدْحِه إذا جُعِلَ ذمُّ الدينارِ في قولِه تَبًّا لهُ إلخ بعدَ مَدْحِه في قولِه أَكْرِمْ بهِ، كما هوَ الواقعُ في الْمَقاماتِ.
20 -تأكيدُ الْمَدْحِ بما يُشْبِهُ الذَّمَّ:
ضَرْبَانِ؛ أحدُهما: أنْ يَسْتَثْنِيَ منْ صفةِ ذمٍّ مَنْفِيَّةٍ عن الشيءِ صفةَ مَدْحٍ لذلكَ الشيءِ على تقديرِ دخولِها فيها بأنْ يُقَدِّرَ المتكلِّمُ ويَفْرِضَ أنَّ صفةَ المدْحِ الْمُستثناةَ داخلةٌ في صفةِ الذمِّ الْمَنْفِيَّةِ، كقولِه:
ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم * بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكتائبِ
الفُلولُ: جَمْعُ فَلٍّ، وهوَ الكسْرُ يُصيبُ السيفَ في حَدِّهِ القاطعِ منْهُ، والكتائبُ: جمْعُ كتيبةٍ، وهيَ الجماعةُ المستَعِدَّةُ للقتالِ، وقِراعُها مُضارَبَتُها عندَ اللقاءِ. فقولُه: لا عيبَ فيهم، صفةُ ذمٍّ مَنْفِيَّةٌ؛ لأنَّهُ نَفْيٌ لكلِّ عيبٍ، وقولُه: غيرَ أنَّ سيوفَهم، استثناءٌ منْ هذه الصفةِ، وهوَ في نفسِه صفةُ مَدْحٍ لظهورِ أنَّهُ إنَّما يكونُ منْ مصادَمَةِ الأقرانِ في الحروبِ، وذلكَ من الدليلِ على كمالِ الشجاعةِ، لكِنْ جَعَلَه مُسْتَثْنًى لا يتَأَتَّى إلَّا على تقديرِ دخولِه في العيبِ؛ لأنَّ الأصْلَ في الإتيانِ بأداةِ الاستثناءِ بعدَ عمومِ النفيِ استثناءُ الإثباتِ منْ جنْسِ المنفيِّ، وهوَ العيْبُ، فقد اسْتَثْنَى فيهِ منْ صفةِ ذمٍّ مَنْفِيَّةٍ صفةَ مدْحٍ على تقديرِ دخولِها فيها، ووجهُ تأكيدِ المدْحِ فيهِ أنَّهُ لَمَّا أتى بصفةِ المدْحِ بعدَ أداةِ الاستثناءِ دَلَّ على أنَّهُ طَلَبَ الأصلَ الذي هوَ استثناءُ العيْبِ، فلمَّا لم