الصفحة 93 من 111

يَجِدْهُ اضْطُرَّ إلى استثناءِ المدْحِ، وتحويلِ الاستثناءِ عنْ أصْلِه إلى الانقطاعِ، فجاءَ تأكيدُ المدْحِ وزيادتُه بهذا الوجهِ، وإنْ كانَ ذلكَ باعتبارِ أصْلِ دَلالةِ الأداةِ ذَمًّا، فهوَ منْ تأكيدِ المدْحِ بما يُشْبِهُ الذمَّ.

وثانيهما: أنْ يُثْبِتَ لشيءٍ صفةَ مَدْحٍ، ويُؤْتَى بعدَها بأداةِ استثناءٍ تَلِيهَا صفةُ مَدْحٍ أُخْرى لذلكَ الشيءِ الموصوفِ بالأَوْلَى، كقولِه: (فَتًى) ، يَجوزُ أن يكونَ في مَوْضِعِ نصْبٍ على المدْحِ والاختصاصِ، أيْ: أَذْكُرُ فتًى هذه صفتُهُ، ويَجُوزُ أنْ يكونَ في موضِعِ رَفْعٍ على أنَّهُ خبرُ مُبْتَدَأٍ محذوفٍ، كأنَّهُ قالَ: هوَ فَتًى كَمُلَتْ أوصافُه غيرَ أنَّهُ جَوَادٌ فما يُبْقِي على المالِ باقيًا، فقولُه: (كَمُلَتْ أوصافُهُ) ، صفةُ مَدْحٍ يُشْعِرُ بكمالِ الموصوفِ، والإتيانُ بأداةِ الاستثناءِ، أيْ كلمةِ (غَيْرَ) ، بَعْدَها يُشْعِرُ بأنَّهُ أُريدَ إثباتُ مخالِفٍ لما قَبْلَها؛ لأنَّ الاستثناءَ أصلُه المخالَفَةُ، فيُفْهَمُ الذمُّ منْ هذا الوجهِ، لكِنْ لَمَّا كانَ الْمَأْتِيُّ بهِ ههنا هوَ كونُه في غايةِ الجودِ المستلزِمِ لتأكيدِ كمالِه في الأوصافِ جاءَ زيادةُ المدْحِ وتأكيدُه، فكانَ مَدْحًا في صورةِ الذمِّ.

21 -تأكيدُ الذمِّ بما يُشبِهُ المدْحَ:

ضَربانِ أيضًا كتأكيدِ المدْحِ بما يُشْبِهُ الذمَّ ضَربانِ.

الأوَّلُ: أنْ يَسْتَثْنِيَ منْ صفةِ مَدْحٍ مَنْفِيَّةٍ على الشيءِ صفةَ ذمٍّ ثابتةً لذلكَ الشيءِ على تقديرِ دخولِها فيها، أيْ: على تقديرِ دخولِ صفةِ الذمِّ في صفةِ المدْحِ، نحوَ: (فلانٌ لا خيرَ فيهِ إلَّا أنَّهُ يَتَصَدَّقُ بما يَسْرِقُ) ، فقدْ نَفَى صفةَ مَدْحٍ، وهيَ الخيريَّةُ على الوجهِ الكلِّيِّ، ثمَّ اسْتَثْنَى بعدَ هذا النفيِ صفةً هيَ كونُه يَتَصَدَّقُ بما يَسْرِقُ، فيَجْرِي فيهِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في الضرْبِ الأوَّلِ في تأكيدِ المدْحِ من الإشعارِ بأنَّهُ طَلَبُ الأصْلِ وهوَ استثناءُ المدْحُ ليَقَعَ الاتِّصالُ، فلمَّا لم يَجِدْهُ اسْتَثْنَى صفةَ الذمِّ فجاءَ فيهِ تأكيدُ الذمِّ بوجهٍ أبلغَ مُشْبِهًا للمدْحِ.

والثاني: أنْ يُثْبَتَ لشيءٍ صفةُ ذمٍّ، ويُؤْتَى بعدَها بأداةِ استثناءٍ تَلِيها صفةُ ذمٍّ أخرى، كقولِه:

هوَ الكلبُ إلَّا أنَّ فيهِ مَلَالَةً ... * وسوءَ مُراعاةٍ وما ذاكَ في الكلْبِ

فقولُه: هوَ الكلْبُ، إثباتُ صفةِ ذمٍّ، والإتيانُ بعدَها بأداةِ الاستثناءِ يُشْعِرُ بأنَّهُ أرادَ إثباتَ مخالِفٍ لِمَا قَبْلَها؛ لكونِ الأصْلِ في الاستثناءِ المخالَفَةَ، فيُفْهَمُ المدْحُ منْ هذا الوجهِ، لكِنْ لَمَّا كانَ المأتيُّ بهِ بعدَ أداةِ الاستثناءِ هوَ كونُ الْمَلالةِ وسوءِ المراعاةِ فيهِ الْمُستلزِمُ لزيادةِ الذمِّ جاء فيهِ تأكيدُ الذمِّ مُشَبَّهًا بالمدْحِ.

22 -التجريدُ:

هوَ أنْ يُنْتَزَعَ منْ أمْرٍ ذي صفةٍ أمْرًا آخَرَ مثلَهُ فيها، أيْ مُمَاثِلٌ لذلكَ الأمْرِ ذي الصفةِ في تلكَ الصفةِ، مبالَغةً لكمالِها فيهِ، أيْ: وإنَّما يُرْتَكَبُ الانتزاعُ المذكورُ لأجْلِ إفادةِ المبالَغَةِ في كمالِ تلكَ الصفةِ لذلكَ الأمْرِ المنتزَعِ منه، ووجهُ إفادةِ ذلكَ الانتزاعِ المبالَغةُ لما تَقَرَّرَ في العقولِ منْ أنَّ الأصلَ والمنْشَأَ لما هوَ مثلُه في غايةِ القوَّةِ حتَّى صارَ يَفِيضُ بمثالاتِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت