الصفحة 94 من 111

ثمَّ التجريدُ لا يَخلُو إمَّا أنْ يكونَ بتوَسُّطِ حرْفٍ يُستعانُ بهِ على إفادةِ التجريدِ، أوْ بدونِه.

والأوَّلُ: إمَّا أنْ يكونَ بِمِنْ أوْ بفِي أوْ بالباءِ.

والثاني: إمَّا أنْ يكونَ بمخاطَبَةِ الإنسانِ نفسَه أوْ بغيرِ ذلكَ.

فهذه أقسامٌ أشارَ إليها وإلى أمثلتِها بقولِه: ويكونُ بِمِنْ، أيْ: ويكونُ التجريدُ حاصلًا بدخولِ مِن التجريديَّةِ على الْمُنتزَعِ منهُ، نحوَ قولِهم في المبالَغَةِ في وصْفِ فلانٍ في الصداقةِ: لي منْ فلانٍ صديقٌ حميمٌ، أيْ: قريبٌ يَهْتَمُّ لأمرِه، كما قال في الصِّحاحِ: حَمِيمُك قريبُكَ الذي تَهْتَمُّ لأمرِه، فدَخَلَتْ فيهِ مِن التجريديَّةُ على فلانٍ ليُفيدَ المبالَغةَ في وصفِه بالصداقةِ؛ فإنَّهُ يَدُلُّ على أنَّهُ بَلَغَ في مراتِبِ الصداقةِ إلى حيثُ يُنْتَزَعُ ويُسْتَخْرَجُ منهُ صديقٌ آخَرُ مثلُه.

أوْ يكونُ التجريدُ حاصلًا بدخولِ في على الْمُنْتَزَعِ منهُ، كما في قولِه تعالى في التهويلِ بأمْرِ جَهَنَّمَ ووصْفِها بكونِها دارًا ذاتَ عذابٍ مُخَلَّدٍ: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ} ، أيْ: لهم في جَهنَّمَ دارُ الْخُلْدِ، معَ أنَّ جَهَنَّمَ نفسَها دارُ الْخُلْدِ، ولكِنْ بُولِغَ في اتِّصافِها بكونِها دارًا للخلودِ، وكونِها لا يَنْفَكُّ أهلُها عنْ عذابِها، حتَّى صارتْ بحيثُ تَفيضُ عنها دارٌ أُخْرَى هيَ مِثْلُها في ذلكَ الاتِّصافِ.

أوْ يكونُ التجريدُ بدخولِ الباءِ على الْمُنْتَزَعِ منهُ، نحوَ قولِهم في المبالَغَةِ في وَصْفِ فلانٍ بالكرَمِ: (لَئِنْ سأَلْتَ فلانًا لتَسْئَلَنَّ بهِ البَحْرَ) ، فقدْ بُولِغَ في اتِّصافِ فلانٍ بالسماحةِ حتَّى صارَ بحيثُ يُنْتَزَعُ منهُ كريمٌ آخَرُ يُسَمَّى بَحْرًا، مثلُه في الكرَمِ.

أوْ يكونُ التجريدُ بدونِ توسُّطِ حرْفٍ أصْلًا، بلْ بمخاطَبَةِ الإنسانِ نفسَهُ، وإنَّما يَسْتَلْزِمُ ذلكَ التجريدَ؛ لأنَّ مخاطَبَةَ الإنسانِ لنفسِه لا يَتَأَتَّى إلَّا إذا جَعَلَ نفسَه أمامَهُ، فإنَّ الأصْلَ في الْخِطابِ أنْ يكونَ المخاطَبُ أمامَ المتكلِّمِ، ولا يَتَأَتَّى جَعْلُ نفسِه أمامَه إلَّا بأنْ يَنْتَزِعَ منْ نفسِه شَخْصًا آخَرَ يكونُ مثلَهُ في الصفةِ التي سِيقَ الكلامُ لبيانِها؛ ليَتَمَكَّنَ منْ خِطابِه، فلذا يكونُ مخاطبَةُ الإنسانِ نفسَه منْ أقسامِ التجريدِ، كقولِه:

لا خيلَ عندَكَ تُهدِيها ولا مالُ * فلْيَسْعَدِ النطْقُ إنْ لمْ تَسْعَدِ الحالُ

المرادُ بالحالِ على ما قِيلَ الغِنَى، والمعنى: فلْيُعِنْ حُسْنُ النطْقِ بالمدْحِ والثناءِ، أوْ بالاعتذارِ بالفقْرِ على عدَمِ الإهداءِ، إنْ لمْ يُعِن الحالُ، أي الغَناءُ على الإهداءِ إليه لعَدَمِ وِجدانِه. فهذا الكلامُ سِيقَ لبيانِ فَقْرِه، وأنَّهُ لا خَيْلَ ولا مالَ عندَهُ يَهْدِي منهُ ليُكافئَ بذلكَ إحسانَ الممدوحِ، فجَرَّدَ مِنْ نفسِه شخصًا مثْلَ نفسِه في هذهِ الصفةِ التي هيَ كونُه لا خيلَ عندَهُ ولا مالَ يُهْدِي منْهُ، وخاطَبَهُ مبالَغةً لكمالِ صفةِ الفقْرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت