الصفحة 95 من 111

أوْ يكونُ التجريدُ بغيرِ ذلكَ، بأنْ يُؤْتَى بالمنتزَعِ منهُ على وجهٍ يُفْهَمُ منهُ الانتزاعُ بقرائنِ الأحوالِ منْ غيرِ مخاطَبَةِ الإنسانِ نفسَه، ومنْ غيرِ تَوَسُّطِ حرفٍ أصْلًا، كقولِه: (فَلَئِنْ بَقِيتُ) حَيًّا (لَأَرْحَلَنَّ) ، أيْ: لأُسَافِرَنَّ لغَزْوَةٍ، (تَحْوِي) تلكَ الغزوةُ (الغنائمَ) ، أيْ: يَجْمَعُها أهلُ تلكَ الغزوةِ، وهوَ نفسُه، أوْ يموتَ، أيْ: إلَّا أنْ يموتَ كريمٌ، فالمرادُ بالكريمِ نفسُه؛ لأنَّ معنى الكلامِ كما أفادَهُ السياقُ: إنِّي أَجْمَعُ الغنائمَ أوْ أموتُ، فقد انْتَزَعَ منْ نفسِه بقرينةِ التمدُّحِ بالكرَمِ كريمًا مبالَغةً في كَرَمِه، فإنَّ الانتزاعَ يَدُلُّ على أنَّهُ بَلَغَ في الكرَمِ إلى حيثُ يَفِيضُ عنه كريمٌ آخَرُ مثلُه في الكرَمِ، فقرينةُ المدْحِ ههنا دَلَّتْ على قَصْدِ معنى التجريدِ.

23 -حُسْنُ التعليلِ:

هوَ أنْ يَدَّعِيَ، أيْ: يُثْبِتَ، بطريقِ الدَّعْوَى لوصْفِ عِلَّةٍ غيرِ حقيقيَّةٍ، أيْ: غيرِ مطابِقَةٍ للواقِعِ، بمعنى أنَّها ليستْ عِلَّةً لهُ في نفْسِ الأمْرِ، بلْ بمجرَّدِ الادِّعاءِ بوجهٍ يُتَخَيَّلُ بهِ كونُ التعليلِ صحيحًا حتَّى يَتَحَقَّقَ التصرُّفُ فيهِ، فيُعَدُّ منْ مُحسِّناتِ الكلامِ. ولوْ كانتْ عِلَّةً لهُ في نفسِ الأمْرِ لم يكُنْ ذلكَ من الْمُحَسِّنَاتِ لعَدَمِ التصرُّفِ فيهِ، ثمَّ لا بُدَّ أنْ يكونَ معَ ذلكَ فيها، أيْ في هذه العِلَّةِ، غرابةٌ بحيثُ لا يُدْرِكُ كونَها علَّةً إلَّا مَنْ لهُ تَصَرُّفٌ في دقائقِ المعانِي، وفي الاعتباراتِ اللطيفةِ، كقولِه:

لوْ لمْ تكُنْ نِيَّةُ الجوزاءِ خِدْمَتَهُ * لَمَا رأَيْتَ عليها عِقْدَ مُنْتَطَقِ

الجوزاءُ: اسمُ بُرْجٍ من البروجِ الفلكيَّةِ، وحولَها نجومٌ تُسَمَّى نطاقَ الجوزاءِ، والنِّطاقُ والْمِنْطَقَةُ: ما يُشَدُّ بهِ الوَسَطُ، وحاصِلُ معنى البيتِ أنَّ الجوزاءَ معَ ارتفاعِها لها عَزْمٌ ونِيَّةٌ لخدمَةِ الممدوحِ، ومنْ أَجْلِ ذلكَ انْتَطَقَتْ أيْ شَدَّت النِّطاقَ تَهَيُّؤًا لخدمَتِه، فلوْ لم تَنْوِ خدمتَهُ ما رأَيْتَ عليها نِطاقًا شَدَّتْ بهِ وَسَطَها، فقدْ جَعَلَ عِلَّةَ الانتطاقِ نِيَّةَ خِدْمَةِ الممدوحِ، وهيَ ليستْ علَّةً حقيقيَّةً بل ادِّعائيَّةً مَحْضَةً، ومعَ ذلكَ فيها من الغَرابةِ ما لا يَخْفَى.

24 -ائتلافُ اللفظِ معَ المعنى:

هوَ أنْ تكونَ الألفاظُ موافِقةً للمعانِي، ولائقةً لمقصودِ الكلامِ، فتختارُ الألفاظَ الْجَزْلَةَ والعباراتِ الشديدةَ للفَخْرِ والحماسةِ. الحماسةُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بمعنى الشِّدَّةِ، يُقالُ: حَمُسَ الرجُلُ في الأمْرِ حَمْسًا وحَماسةً إذا اشتَدَّ فيهِ، ثمَّ سُمِّيَت الشجاعةُ حَمَاسةً؛ لأنَّ الشُّجاعَ يَشْتَدُّ على قَرْنِه. وتَخْتَارُ الكلماتِ الرقيقةَ والعباراتِ اللينةَ للغَزَلِ ونحوَهُ. الغَزَلُ اللَّهْوُ معَ النساءِ، وكذلكَ الْمَغْزَلُ، ومُغَازَلَتُهُنَّ: مُحادَثَتُهُنَّ ومُرَاوَدَتُهُنَّ، كقولِه: (إذا ما غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيَّةً، أيْ: مَنْوسبَةً إلى مُضَرَ التي هيَ منْ أَجَلِّ قبائلِ العرَبِ،(هَتَكْنَا حِجابَ الشمْسِ أوْ قَطَرَتْ دمَا) ، (إذا ما أَعَرْنا) من الإعارةِ، وكلمةُ (ما) زائدةٌ، (سَيِّدًا منْ قبيلةٍ) ، (ذي مِنْبَرٍ صَلَّى علينا وسَلَّمَا) .

فأَوْرَدَ ههنا الألفاظَ الْمُفَخَّمَةَ الشديدةَ لكونِ المعاني منْ قبيلِ الفَخْرِ، وقولِه:

لم يَطُلْ لَيْلِي ولكِنْ لمْ أَنَمْ * ونَفَى عَنِّي الْكَرَى -أي النومَ- طَيْفٌ أَلَمّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت