الصفحة 34 من 56

قال الترمذي: سألت محمد ابن إسماعيل عن هذا الحديث (آخر طواف يوم النحر إلى الليل) وقلت له: أسمع أبو من عائشة وابن عباس، قال: أما من عباس فنعم، وفي سماعه عن عائشة نظر )) [1]

قلت: فهذا البخاري يثبت سماعه من ابن عباس، وهي ممكنة جدًا فقد تعاصرا، ووجدا في مكانين متقاربين، بل روايته عنه تدل على أنه رآه في مكة، ولاحظ فعله في الصلاة وبعد الطواف، ومن الممكن أن يسمع منه أحاديث، فلا أرى لرد لروايته عن ابن عباس أي مسوغ.

وقد روى عنه حديثًا آخر فعن أبي الزبير عن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم-ميمونة وهو محرم.

قلت: تزوجها بمكة؟ قال لا ولكن تزوجها في بعض الطريق )) [2]

ونجد في تحفة الأشراف أن أبا الزبير روى عن ابن عباس-رضي الله عنهما-مباشرة بدون واسطة حديثين، وبواسطة سبعة أحاديث عنه.

-أما الحديثان المباشران فهما:

-أن النبي-صلى الله عليه وسلم-أخر طواف يوم النحر إلى الليل سبق ذكره-وحديث: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: أهديتم الفتاة )) [3]

(1) زاد المعاد 1/ 234/ ولم أره في العلل الصغرى ولا السنن.

(2) المعجم الأوسط للطبراني رقم (1841) 2/ 487 - 488/ وقال: لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا إبراهيم. (أي ابن طهمان) قلت: وهو ثقة.

وقد أورد البخاري الحديث في صحيحه دون السؤال في جزاء الصيد باب تزوج المحرم رقم (1837) فتح الباري 4/ 62/ وفي المغازي باب عمرة القضاء رقم (4258) ورقم (4259) من رواية عطاء ومجاهد وعكرمة وفيه زيادة (( وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف ) ), (( وفي عمرة القضاء ) )وفي النكاح باب نكاح المحرم رقم (5114) وقد ذكر ابن حجر أنه قد جاء مثل حديث ابن عباس صحيحًا عن عائشة وأبي هريرة-رضي الله عنهما-.

وقد جمع بين هذا الحديث وأحاديث النهي عن نكاح المحرم، أن ابن عباس عبر عن ذلك عما يراه أن من قلد الهدي يصير محرمًا، والنبي صلى الله وسلم-كان قد قلد الهدي في عمرته تلك التي تزوج فيها ميمونة، فيكون إطلاقه أنه تزوجها وهو محرم أي عقد عليها بعد قلد الهدي وإن لم يكن تلبس بالإحرام وذلك أنه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها فجعل أمرها إلى العباس، فزوجها من النبي-صلى الله عليه وسلم.

أو يقال: مصود ابن عباس في قوله (( تزوج ميمونة وهو محرم أي داخل الحرم أو في الشهر الحرام، وقال الأعشى: قتلوا كسرى بليل محرمًا ) )أي في الشهر الحرام وقال آخر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا أي في البلد الحرام فتح الباري 9/ 7071/ وقال ابن حيان في صحيحيه تعليقًا على هذا الحديث: وليس في هذه الأخبار تعارض، ولا أن ابن عباس وهم لأنه أحفظ وأعلم من غيره ولكن عندي أن معنى قوله (( تزوج وهو محرم أي داخل في الحرم كما يقال: أنجدو اتهم إذا دخل نجدًا وتهامة وذلك أن النبي-صلى الله عليه وسلم-عزم على الخروج إلى مكة في عمرة القضاء، فبعث في المدينة أبا رافع ورجلًا من الأنصار إلى مكة ليخطب ميمونة له، ثم خرج وأحرم، فلا دخل مكة طاف وسعى، وحل من عمرته وتزوج بها وأقام بمكة ثلاثًا ثم سأله أهل مكة الخروج، فخرج حتى بلغ (( سرف ) )فبنى بها وهما حلالان، فحكى ابن عباس نفس العقد، وحكت ميمونة عن نفسها القصة على وجهها، وهكذا أخبر أبو رافع وكان الرسول بينهما، فدل ذلك، مع نهيه -صلى الله عليه وسلم-عن نكاح المحرم، إنكاحه، على صحة ما ادعيناه أنظر بصب الرواية 3/ 173/.

(3) تحفة الأشراف 3/ 173/.

وتتمة الحديث: قالوا: نعم. قال: أرسلتم معها من يغني؟ قالت لا. فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم.

عند ابن ماجة في النكاح باب الغناء والدف رقم (1900) ونقل في الزوائد قوله: إسناده مختلف فيه من أجل الأجلح، وأبي الزبير يقولون: إنه لم يسمع من ابن عباس، وأثبت أبو حاتم أنه رأى ابن عباس 10/ 613/ قلت وأثبت البخاري سماعه منه.

(والأجلح قال عنه في التقريب صدوق) /96/.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت