صحيفة اليشكري، وأبو الزبير مكي وأبو سفيان واسطي حوار بمكة، ولم يذكر أبو حاتم عمن نقل هذا من شيوخه ولعله ظن ذلك ظنًا لقولهم إن أبا الزبير عن جابر صحيفة، فذهب وهله إلى صحيفة اليشكري.
قلت: وإذا سلم كلام أبي حاتم هذا، فكان من المفروض أن يكون كل حديث رواه أبو الزبير رواه أيضًا أبو سفيان [1] وكذا رواه الشعبي وقتادة، لأنهم، على قول أبي حاتم-أخذوا عن صحيفة واحدة، وهذا إن صدق مع أبي سفيان في كثير من الأحاديث التي رواها أبو الزبير فيما راجعت حتى الآن من أحاديث أبي الزبير التي جمعتها-فهو لا يصدق مع الباقين مطلقًا، ولعلني في نهاية جمع أحاديث أبي الزبير أستطيع أن أعطي صورة دقيقة مضبوطة. ولذلك نرى أن البخاري وأحمد كانا أدق في التعبير عن صحيفة اليشكري، فلم يذرا أبا الزبير ولا أبا سفيان فيمن روى في صحيفة اليشكري، حتى القصة التي رددتها، فإنها تدل على أن أبا سفيان وسليمان تلقيا عن جابر لكن كثر حديث سليمان لأنه يكتب بخلاف أبي سفيان. فالذين رووا صحيفة اليشكري هم: قتادة وأبو بشر والحسن ومطرف وثابت، وليس فيهم أبو الزبير ولا أبو سفيان، وبخاصة وأن كثيرًا من أحاديث أبي الزبير يقول فيها: سمعت أو سألت.
والذي أراه أن المقصود بصحيفة أبي الزبير عن جابر هو صحيفة كتبها أبو الزبير مما سمعه من حديث جابر كما بينه الليث بن سعد في قصته، فقد كان عند أبي الزبير حديث جابر مكتوبًا في صحيفة، وكان تلامذته يأخذون ذلك منه لينقلوه، ثم ليسمعوه منه، فإذا حدثهم حدثهم عن حفظه، فإن أعياه الحفظ رجع إلى الصحيفة المكتوبة والله أعلم.
ثم كيف يكون ما رواه أبو الزبير عن جابر صحيفة، وقد روى ابن عيينة-نفسه-عن أبي الزبير أن عطاء ابن أبي رباح كان يقمه إلى جابر يحتفظ لهم الحديث، فهذا من أوضح الأخبار الدالة على ما رواه أبو الزبير عن جابر ليس صحيفة، وإنما هو حفظ للحديث وتلق له من قائله جابر-رضي الله عنه-.
والظاهر مما سبق في ترجمة جابر أن هذا الأخذ كلن في السنة التي جاور فيها جابر بمكة المكرمة، وكما قال أبو سفيان أنه جاور معه ستة أشهر في بني فهر، فلو أخذ عنه أبو سفيان وأبو الزبير كل يوم ثلاثة أحاديث لكان مجموع الأحاديث التي تلقياها تزيد عن خمسمائة حديث.
(1) وقد قال ابن عيينة: إنما أبو سفيان عن جابر صحيفة. سير الأعلام 5/ 293/ والجرح والتعديل 3/ 475/ وميزان الاعتدال /342/ وتهذيب التهذيب 5/ 27/ ابن عيينة أخذ عن أبي الزبير، زوى عنه، ولم يقل أن حديثه عن جابر صحيفة. ولعل السبب في اتفاق أبي سفيان وأبي الزبير في كثير من الروايات أنها تلقيا عنه في وقت واحد.
قلت: لا نجد لقتادة-مثلًا-عن جابر إلا حديثًا واحدًا في الكتب الستة. انظر تحفة الأشراف 2/ 263/ وقد قال قتادة: لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني من سورة البقرة. التاريخ الكبير للبخاري 4/ 182/ ولم يخرج العلماء له عن جابر لأنهم على يقين أنه لم يسمعها منه، وحديث قتادة الوحيد أورده البخاري على الشك قال: وقال أبو هلال حدثنا قتادة عن أنس أو جابر بن عبد الله كان النبي-صلى الله عليه وسلم-ضخم الكفين والقدمين لم أر بعده شبيهًا له )) في اللباس باب الحعد رقم (5911 و 5912) فتح 10/ 357/ ووصله البيهقي في دلائل النبوة 1/ 244/ ورجح ابن حجر أنه عن أنس لا عن جابر. انظر تعليق التعليق 5/ 75/ وهدى الساري /61/ وفتح الباري 10/ 357/.