وقد كفّ بصر جابر في آخر حياته، وروى الواقدي عن أبي بن عباس عن أبيه، قال: كنا بمنى، فجعلنا نخبر جابرًا بما نرى من إظهار قطف الحرير، والوشي-يعني السلطان وما يصنعون-فقال: ليت سمعي قد ذهب كما ذهب بصري حتى لا أسمع من حديثهم شيئًا ولا أبصره. [1]
ويروى أن جابرًا دخل على عبد الملك بن مروان لما حج، فرحب به، فكلمه في أهل المدينة أن يصل أرحامهم
فلما خرج أمر له بخمسة آلاف درهم فقبلها.
وكان جابر بن عبد الله عريفًا على قومه عرفه عمر [2] (والعريف: من يعرف أصحابه، وهو القيم بأمور القبيلة، أو الجماعة من الناس يلي أمرهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم) [3] قال أبو بكر المدني: كان جابر لا يبلغ إزاره كعبه، وعليه عمامة بيضاء رأيته قد أرسلها من ورائه )) .
وقال عاصم بن عمر: أتانا جابر، وعليه ملاءتان، وقد عمي، مصفرًا لحيته ورأسه بالورس، وفي يده قدح. [4]
وقال سلمة بن وردان: رأيت جابر ابيض الرأس واللحية-رضي الله عنه-قلت: فلعله كان أحيانًا يغير شيبه، وأحيانًا يتركه.
رحلاته:
كان مقر جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-في المدينة المنورة، ولكنه مضى مجاهدًا في سبيل الله تعالى. فقد روي عنه أنه كان في جيش خالد بن الوليد-رضي الله عنه-في حصار دمشق. [5]
كما روى أنه سافر في طلب العلم، وتعليمه:
فقد روي أنه رحل في حديث (القصاص) إلى الشام، ليسمعه من عبيد الله أنيس-رضي الله عنه-قال جابر:
بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت شهرًا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟
قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في القصاص، فخشيت أن تموت، أو أموت قبل أن أسمعه. قال: سمعت رسول الله-صلى الله
(1) سير الأعلام 3/ 193/.
(2) سير الأعلام 3/ 194.
(3) تكلم ابن حجر في العرافة في فتح الباري 13/ 169/ ونقل عن ابن بطال أن عمر قسم الناس وجعل على كل قبيلة عريفًا فتح 5/ 325/.
(4) سير الأعلام 3/ 194/.
(5) سير الأعلام 3/ 12/.