رواية ابن لهيعة عن أبي الزبير
روى ابن لهيعة أحاديث كثيرة عن أبي الزبير عن جابر، وهي نسخةٌ مشهورةٌ أخرج الإمام أحمد مِنها أحاديث عِدَّةً في مسنده. قال ابن عدي ( [1] ) : «ولابن لَهِيعَة عن أبي الزبير عن جابرٍ نسخةٌ، يحدِّث بذلك ابنُ بُكَير وقتيبة وغيرهما مِن المتأخرين» . وقد سأل عثمانُ الدارمي يحيى بنَ معين عن هذه النسخة، فضعَّفها. قال الدارمي ( [2] ) : «قلتُ: كيف رواية ابن لَهيعة، عن أَبي الزُّبَير، عن جابر؟ فقال: ابن لَهيعة ضعيفُ الحديث» .
وكان ابن لهيعة أحيانًا يُدخل واسطةً بينه وبين أبي الزبير في هذه الأحاديث:
-فقد قال ( [3] ) : عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ r: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» .
لكنه قال مرةً ( [4] ) : عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ r يَوْمًا فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ , فَكُفِّنَ غَيْرَ طَائِلٍ , وَدُفِنَ لَيْلًا , فَزَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ رَجُلٌ لَيْلًا , لِكَيْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ وَقَالَ: «إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» .
-وقال ( [5] ) : عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَيْسَ زَكَاةُ مُثِيرِ الْأَرْضِ زَكَاةً وَلَا جَمَلِ الظَّعِينَةِ.
لكنه قال مرةً ( [6] ) : عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَيْسَ عَلَى مُثِيرِ الْأَرْضِ زَكَاةٌ، وَلَا عَلَى جَمَلِ الظَّعِينَةِ زَكَاةٌ.
-وقال ( [7] ) : حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيُّ أَوْ مَمْلُوكٌ , فَمَنِ اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهُ غَنِيُّ حُمَيْدٌ» .
-وقال ( [8] ) : عن معاذِ بنِ محمدٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: أنَّ النبيَّ r قالَ: «لو حجَّ الصغيرُ عشرَ حِججٍ كانتْ عَليه حجةٌ بعدَ أنْ يكبُرَ، ولو حجَّ العبدُ عشرَ حِججٍ كانتْ عَليه حجةٌ بعدَ أنْ يُعتَقَ» .
قلتُ: أَدْخَلَ ابنُ لهيعة بينه وبين أبي الزبير في هذه الأحاديث: عبيد الله بن أبي جعفر، وخالد بن يزيد الجمحي، ومعاذ بن محمد. أمَّا عبيد الله وخالد بن يزيد فثقتان، وأمَّا معاذ فقال فيه ابن عدي ( [9] ) : «منكر الحديث .. غير معروف» .
رواية ابن لهيعة مِن كُتُبِ غيرِه
قال أحمد ( [10] ) : «ابن لهيعة كانوا يقولون احترقت كتبه، وكان يؤتى بكُتُب الناس فيقرأها» . وقال ابن معين ( [11] ) : «عُرض على ابن لهيعة: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله r:"إذا رأيتم الحريق فكبروا". فأقرَّ به. فقال له رجلٌ: أنت سمعت هذا؟ فقال: ما أدري! قُرئ عليَّ. فقيل له: إنما هذا عن القاسم بن عبد الله بن عمر» . وقال ابن أبي مريم ( [12] ) : «كان ابن لهيعة يقرأ مِن كُتُب الناس» . وقال أيضًا ( [13] ) : «حضرتُ ابن لهيعة في آخر عمره وقومٌ كن أهل بربر يقرأون عليه مِن حديث منصور والأعمش والعراقيين. فقلتُ له: يا أبا عبد الرحمن، ليس هذا مِن حديثك! فقال: بلى، هذه أحاديث قد مرَّت على مسامعي. فلم أكتب عنه بعد ذلك» . وقال ابن حبان ( [14] ) : «كان يُدَلِّس عن الضعفاء» . وقال أيضًا ( [15] ) : «كان لا يبالي ما دُفع إليه قراءةً، سواءٌ كان ذلك مِن حديثه أو غير حديثه» .
نسخة ابن لهيعة ليست عن أبي الزبير
بمقابلة هذه الأحاديث التي وقعت في نسخة ابن لهيعة عن أبي الزبير بنسخة عقيل عن وهب بن منبه، يتبيَّن لك أنهما عن أصلٍ واحدٍ، إذ لَمْ أَقِفْ على مِثل هذا التطابق إلاَّ بينهما. نعم جاءت هذه المتون مِن وجوهٍ أخرى كما سأذكر، ولكن السؤالات بهذه الكيفية لا أعلم جاءت إلاَّ في هاتين النسختين. ويتأكَّد مِن أقوال العلماء آنفًا أنَّ ابن لهيعة لَمْ يسمع هذه الأحاديث مِن أبي الزبير، وإنما دُفِعَت إليه صحيفةُ وهبٍ هذه أو صحيفةٌ فيها نفس الأحاديث فحدَّث بها. ولذلك لَمْ يكن يراها ابنُ معين شيئًا.
[1] - الكامل لابن عدي 5/ 241.
[2] - تاريخ ابن معين رواية الدارمي 533.
[3] - مسند أحمد 14766.
[4] - شرح معاني الآثار للطحاوي 2933. وكان الأولى بي ذِكْرُ هذه الرواية لمطابقتها لرواية وهب.
[5] - الأموال لابن زنجويه 1447.
[6] - الأموال لابن زنجويه 1448.
[7] - سنن الدارقطني 1576.
[8] - المخلصيات 704.
[9] - الكامل لابن عدي 8/ 182.
[10] - ضعفاء العقيلي 2/ 293 واللفظ له وسؤالات أبي داود 256.
[11] - تاريخ ابن معين رواية الدوري 5396.
[12] - المعرفة والتاريخ للفسوي 2/ 435.
[13] - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 5/ 146.
[14] - المجروحين لابن حبان 2/ 11.
[15] - المجروحين لابن حبان 2/ 13.