فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 20

صحيفة جابر بن عبد الله

انتشرت في زمان التابعين صحيفةٌ فيها أحاديث لجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وليس هو مَن كَتَبَها وإنما اشتملت على أقواله ومروياته. وقد بلغ شأن هذه الصحيفة أنْ حفظها قتادة عن ظهر قلب! كما قال محمد بن مسعود ( [1] ) وأحمد بن حنبل ( [2] ) واللفظ له، عن عبد الرزاق، عن معمر قال: «قال قتادة لسعيد: يا أبا النضر، خُذ المصحف. قال: فعَرَضَ عليه سورة البقرة، فَلَمْ يُخطئ فيها حرفًا واحدًا. قال: فقال: يا أبا النضر، أحكمتُ؟ قال: نعم. قال: لَأَنَا بصحيفة جابر بن عبد الله أَحْفَظُ مِنِّي بسورة البقرة! قال: وكانت قرئت عليه» . اهـ قال أحمد ( [3] ) : «وقُرئ عليه صحيفة جابر مرةً واحدةً فحفظها» . اهـ

وقد كان بعضُ الرواة يَعرضون أحاديث هذه الصحيفة على الشيوخ، كما عَرَضَ عاصم الأحول على الشعبي وعَرَضَ قتادة على سعيد بن المسيب. فأمَّا عاصم فقد قال أبو داود الطيالسي ( [4] ) ووهب بن جرير ( [5] ) ، عن شعبة (ح) وقال عبدان ( [6] ) وإبراهيم بن موسى ( [7] ) واللفظ له، عن ابن أبي زائدة. كلاهما شعبة وابن أبي زائدة، عن عاصم قال: «عَرَضْنَا على الشَّعبي صحيفة جابر (أو صحيفة فيها حديث جابر) فقال: ما مِن شيءٍ فِيهِ إلاَّ سَمِعتُه مِن جابر، ولَوَدِدْتُ أنكم انْفَلَتُّمْ مِنه كفافًا» . اهـ وأمَّا قتادة فقد قال سفيان بن عيينة ( [8] ) : أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: «عَرَضْتُ على سعيد بن المسيب صحيفة جابر، فَلَمْ يُنْكِرْ» . اهـ

وكانوا يذهبون بهذه الصحيفة إلى الناس حتَّى يَرْوُوها لهم، فمِنهم مَن يروي ومِنهم مَن يمتنع. كما قال أبو إسحاق الجوزجاني ( [9] ) وأبو بكر العطار ( [10] ) وحنبل بن إسحاق ( [11] ) وصالح بن أحمد ( [12] ) واللفظ له، عن علي بن المديني قال: سمعتُ يحيى يقول: قال التيمي: «ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن فرواها (أو قال: فأخذها) ، وذهبوا إلى قتادة فأخذها، وأتوني بها فَلَمْ أَرْوِهَا» . قال عليٌّ: قلتُ ليحيى: سمعتَ هذا مِن التيمي؟ قال برأسه أي: نعم. اهـ والحسن هو ابن أبي الحسن البصري، ويحيى هو ابن سعيد القطان، والتيمي هو سليمان والد المعتمر.

وإذا كان بعضُ الرواة قد عُرف عنهم أنهم يروون أحاديث جابر مِن هذه الصحيفة، فهناك رواة آخرون لَمْ يُعرف عنهم ذلك. ومع هذا فقد حَكَمَ بعضُ النقاد على روايتهم بأنها عن الصحيفة لقرائن عندهم. ومِن هؤلاء وهب بن منبه ومجاهد بن جبر. فأمَّا وهب فقد قال الدوري، عن يحيى بن معين ( [13] ) : «ينبغي أن تكون صحيفةً وَقَعَتْ إليهم، لَمْ يَلْقَ وهبُ بن منبه جابرًا» . اهـ وقال ابن أبي مريم، عنه ( [14] ) : «والصحيفة التي يرويها عن وهبٍ عن جابرٍ ليست بشيءٍ، إنما هو كتابٌ وَقَعَ إليهم، ولَمْ يسمع وهبٌ مِن جابرٍ شيئًا» . اهـ وقد صرَّح ابنُ أخي وهبٍ بأنه كان يروي عن هذه الصحيفة، كما قال هشام بن يوسف، عن عقيل بن معقل ( [15] ) : «سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقْرَأُ صَحِيفَةَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَذْكُرُ فِيهَا: أَنَّ جَابِرًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ» . اهـ وأمَّا مجاهد فقد قال يحيى بن سعيد القطان ( [16] ) : «وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ صَحِيفَةِ جَابِرٍ» . اهـ

وقد كُتِبَت نُسَخٌ مِن هذه الصحيفة، وتداولها الناس هنا وهناك. والظاهر أنَّ مِنها ما بقي زمنًا، حتَّى إنَّ معمر بن راشد الصنعاني رَوَى حديثًا عن هذه الصحيفة. فقد قال في جامعه ( [17] ) : «فِي صَحِيفَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مُوجِبَتَانِ، وَمُضْعِفَتَانِ، وَمِثْلًا بِمِثْلٍ. فَأَمَّا الْمُوجِبَتَانِ: فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ. قَالَ: وَأَمَّا الْمُضْعِفَتَانِ: فَمَنْ عَمِلَ حَسَنَةً، كُتِبَتْ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ. وَأَمَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ: فَمَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً، كُتِبَتْ عَلَيْهِ مِثْلُهَا» . اهـ

أمَّا أصل هذه الصحيفة المشهورة، فهي ليست مِن كتابة جابر بن عبد الله كما قلنا، وإنما صاحِبُ هذه الصحيفة هو سليمان بن قيس اليشكري. وسنتناول قِصَّة صحيفته هذه وكيف رواها الناس إن شاء الله تعالى.

[1] - الحلية لأبي نعيم 2/ 334.

[2] - مسند ابن الجعد 1019.

[3] - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 7/ 135.

[4] - العلل الكبير للترمذي 280.

[5] - السنة لمحمد بن نصر المروزي 275.

[6] - المحدث الفاصل للرامهرمزي ص 430.

[7] - التاريخ الكبير للبخاري 6/ 450.

[8] - علل عبد الله بن أحمد 6007.

[9] - أحوال الرجال للجوزجاني ص 329.

[10] - سنن الترمذي 1312.

[11] - الكفاية للخطيب البغدادي 2/ 138.

[12] - مسند ابن الجعد 1312.

[13] - تاريخ ابن معين رواية الدوري 490.

[14] - تهذيب الكمال 3/ 140.

[15] - أخبار مكة للفاكهي 1690.

[16] - المعرفة والتاريخ للفسوي 3/ 11. وذَكَرَ هذا القولَ ابنُ سعد في طبقاته 8/ 28 ولَمْ يَذكر قائله.

[17] - جامع معمر بن راشد ملحقًا بالمصنف 20277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت