الصفحة 100 من 351

ومن استهزائه تعالى بهم: أن زيَّنَ لهم ما كانوا فيه من الشّقاء، والحالة الخبيثة، حتى ظَنُّوا أنهم مع المؤمنين، لما كف أيدي رسول الله وأصحابه عن قتلهم، مع أنهم في الآخرة في الدَّرك الأسفل من النار [1] .

ومن استهزائه سبحانه (الكامل العدل) بهم يوم القِيامة: أنه يُعطي المؤمنين نورًا ظاهرًا، فإذا مشى المؤمنون بِنُورهم طفئ نور المنافقين، وبقوا في الظُّلْمَة بعد النُّور متحيرين، فما أعطاهم اليأس بعد الطمع، قال تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 13] [2] .

قال مجاهد رحمه الله: «ويعطون النور جميعًا (أي: المؤمنون والكافرون) يوم القيامة، فيطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويماز (أي: يفترق) بينهم حينئذٍ» [3] . وهذا من أشد الاستهزاء، والعياذ بالله تعالى.

ولِشَيخ المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله كلامًا في غاية الأهمية في إثبات هذه الصفة بعد أنْ ذكر الاختلافَ في معناها، يقول رحمه الله: «والصَّواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ لِلمُستهزأ به من القول، والفعل ما يُرضيه ظاهرًا، وهو بذلك من قيله، وفعله به مورثه مساءةً باطنًا، وكذلك معنى الخداع، والسّخرية، والمكر ... » [4] .

وله كلام في غاية النّفاسة كذلك في الرَّدّ على مَن نفى هذه الصفات المقيدة (الاستهزاء، والمكر، والخديعة) فيرجع إليه [5] .

قال قوَّام أهل السنة الأصبهاني رحمه الله: «وتولى الذَّبّ عنهم (أي: المؤمنين) حين قالوا (أي: المنافقين) : (إنما نحن مستهزئون) فقال: (الله يستهزئ بهم) ، وقال: (فيسخرون منهم سخر الله منهم) ، وأجاب عنهم فقال: (ألا إنهم هم السفهاء) ، فأجل أقدارهم أن يوصفوا بصفة عيب، وتولى المجازاة لهم، فقال: (الله يستهزئ بهم) ، وقال: (سخر الله منهم) ، لأن هاتين الصِّفتين إذا كانتا من الله، لم تكن سفهًا، لأن الله حكيم، والحكيم لا يفعل السَّفه، بل ما يكون منه، يكون صوابًا وحكمة» [6] .

(6) الصفة المقيدة (الإِعْرَاض) الكمالية

السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أُخبركم عن النَّفَر الثلاثة [7] : أما أحدهم فآوى إلى الله، فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه» [8] .

المَعْنَى فِي اللُّغَةِ

الإعراض: التولِّي، وأصله: من ولَّى في عُرضه؛ أي: ناحيته فأعرض عني من كذا، وأعرض عن الشيء: إذا ولَّاه ظهرَه [9] .

المَعْنَى فِي الشَّرْعِ

جاءت صفة الإعراض المقيدة على الوجه المُقابلة لِمَن اتصف بها، وهذا من عدله سبحانه، وحكمته، وكمال قدرته، فإنَّ رَبَّنا جل جلاله يُعامل عباده بتلك الصفة بعينها في

(1) «تفسير السعدي» (43) ، و «تفسير سورة البقرة» لابن عثيمين (1/ 54) .

(2) «تفسير السعدي» (43) .

(3) «التفسير الصحيح» (4/ 447) .

(4) «التفسير» (1/ 118) .

(5) المصدر نفسه.

(6) «الحجة في بيان المحجة» (1/ 181) .

(7) أي: الذين دخلوا عليه صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه فأقبل اثنان إليه، وذهب الآخر، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا.

(8) البخاري (66) ، ومسلم (2176) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما لَئِنْ حلفَ على ماله ليأكله ظلمًا، ليلقينّ الله عز وجل وهو عنه معرض» صحيح مسلم (139) ، و «صحيح أبي داود» (3245) .

(9) «النهاية» (604) ، و «عمدة الحُفّاظ» (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت