والهزو: الاستخفاف، يقال: استهزأ به يستهزئ؛ أي: استخفَّ به [1] .
المَعْنَى فِي الشَّرْعِ
وصف الله تعالى نفسه كما في الآية المتقدمة بالاستهزاء على حقيقته التي تليقُ به، وهو على قاعدة أهل السنة والجماعة السلفية يجرى على ظاهره، وهو: أن الله عز وجل يستهزئ بِمَن يستحق الاستهزاء، وهو استهزاء حقيقي يَليق بالله عز وجل، فهو استهزاء حق، ليس استهزاء يتضمن نقصًا، لأن الله تعالى كل ما وصف نفسه بوصف فهو وصف كَمال لا يتطرَّق إليه عيب، ولا مذَامّ، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل: 60] .
ولهذا إن الله لا يصف نفسَه بالاستهزاء على وجه الإطلاق، وإنَّما وصف نفسَه بالاستهزاء في مُقابلة المستهزئين بِعباده المؤمنين، وهذا دالٌّ على كَماله، وقوته، وعدم عجزه عن مُقابلتهم، وأنه سبحانه أقوى، وأعظم، وأشد منهم، فالله يستهزئ بِمَن يستهزئ به، أو بِرُسله، أو بشرعه، جزاءً وِفاقًا، وهذا من كَمال حكمته سبحانه: حيث جعل سبحانه الجزاء من جنس العمل، (فكل من عامل عِبادَه بصفة عامله الله بِمِثلها) وهذا (أيضًا) من عدل الله عز وجل، وهو ثابت في الدنيا وفي الآخرة، بل إن جَزاء الله تعالى عُمومًا، دائر بين: العدل، والفضل، فهو بالنسبة لِلعُصاة عدل، وبالنسبة لِلطائعين فضل، وعلى هذا فمعنى قوله سبحانه: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} يعني: أنه عز وجل يستهزئ بهم، ويتخذهم هُزُوًا [2] .
ودلت الآية الكريمة وغيرها أن استهزاءه الحقُّ بأعدائه سبحانه متنوع في الدّارين:
ففي الدنيا: «أنه يُملي لهم، ويمهل لهم، ويمدهم، ويدعهم في هذا الطغيان يضيعون، ويتيهون» [3] ، وهذا من استهزائه تعالى بهم جزاء لهم على استهزائهم بِعِباده.
(1) «لسان العرب» (9/ 85) ، و «عمدة الحفاظ» (4/ 249) .
(2) انظر: «أحكام من القرآن» (1/ 99 ـ 101) ، و «تفسير سورة البقرة» (1/ 54 ـ 57) لابن عثيمين بتصرف يسير.
(3) «أحكام من القرآن الكريم» (1/ 98) .