الصفحة 101 من 351

الدنيا والآخرة، على الوجه الأكمل، فمن أعرضَ عن الله تبارك وتعالى، وآياته، ورسولِه، وسبيلِ أوليائه، عامله جزاءً وِفاقًا بالإعراض عنه.

ففي الحديث الأول في النَّفَر الثلاثة: «وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه» أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب إعراض الله تعالى عنه بـ (الفاء) السببية والتعقيبية، أي: أنه سبحانه أعرض عنه بسبب إعراضه عن الجلوس في الحلقة للذكر دون عذر، وفي الحديث الثاني في إخباره صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن أقسم بالله كذبًا وجورًا، فإنَّ الله تعالى سَيُعرِض عنه جزاءً حسنًا وفاقًا مقابلة للإعراض بالإعراض، فكما أنه لم يوقر ويعظم ربّه حق تعظيمِه فاستهان بجلاله وعظمته، فإن الله عز وجل سَيُعاقبه يوم القيامة بالإعراض عنه الذي أشد ما يحتاجه العبد فيه إليه سبحانه.

واعلم رَعاكَ الله تعالى أنَّ أشدّ الإعراض عن الله عز وجل هو الإعراض عن ذِكْره الذي أنزله على رسولِه صلى الله عليه وسلم، قال عزَّ شأنُه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ ... } [طه: 125 ـ 126] ؛ «أي: ومن أعرضَ عن كِتابي الذي يتذكر به جميع المطالِب العالية، وأن يتركه على وجه الإعراض عنه، فإن جزاءه أن تجعل معيشته مشقة، ولا يكون كذلك إلا عذابًا» [1] .

وقد جعل الله سبحانه وتعالى مقابلة الإعراض عنه بالعذاب الشديد الدنيوي، والبرزخي، والأخروي «لإطلاق المعيشة الضَّنْك، وعدم تقييدها» [2] .

فالدنيوي: «ضنكًا في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراحًا لِصَدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، فهو في قلق، وحيرة، وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة» [3] .

(1) «تفسير السعدي» (515) .

(2) المصدر السابق (516) .

(3) «تفسر ابن كثير» (3/ 233) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت